Articles

◾️من الحرب إلى التفاوض… هل بدأت واشنطن البحث عن مخرج من بوابة هرمز؟

✍🏻: وائل المولى – كاتب وصحافي

في الحروب الكبرى، لا تتغير المعارك فقط، بل تتغير اللغة السياسية أيضاً. منذ بداية الحرب على إيران ، كان الهدف المعلن هو تدمير البرنامج النووي الإيراني، والبرنامج الصاروخي، وإسقاط النظام ودعم ثورة شعبية لم تحصل طبعاً رغم كل الاغتيالات والتدمير والتفوق العسكري والاستخباراتي .
من هذه الأهداف تحول الخطاب فجأة إلى الحديث عن فتح ممر بحري ( مضيق هرمز ) ، أو مفاوضات، هذا يعني أن أهداف الحرب سقطت وانتقلت من مرحلة الهجوم إلى مرحلة البحث عن مخرج. وهذا ما نراه اليوم في مسار الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران.

تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اذا كانت جدية حول وجود محادثات “جيدة ومثمرة” مع إيران، وتأجيل ضرب منشآت الطاقة الإيرانية، لا يمكن فهمها إلا في سياق التحول من المسار العسكري إلى المسار السياسي. فالحروب عندما تحقق أهدافها لا تتوقف إلا بالإستسلام ، أما في هذه الحرب سوف تتوقف لأنها وصلت إلى طريق مسدود، ولأن كلفتها أكبر من نتائجها وهذا أهم ماحققه الإيرانيون في هذه الحرب (رفع الكلفة على الجميع ) .
التناقض في الموقف الأمريكي واضح. فقبل أيام قيل إنه لا توجد قيادة إيرانية يمكن التفاوض معها، واليوم يجري الحديث عن مفاوضات واتفاقات. هذا التناقض يعكس أحد الاحتمالات التالية : إما ارتباك في القرار الأمريكي، والخشية من الردود الإيرانية التي ستعمل على جنون أسعار الطاقة وانتاج أزمة اقتصادية عالمية أو مناورة سياسية يتم فيها وقف جنون أسعار الطاقة مؤقتاً تمهيداً لتصعيد عسكري أكبر كما حصل سابقاً في بداية العدوان (مفاوضات وعدوان بشكل مفاجىء) .
أو أن واشنطن قررت الاكتفاء بما تحقق عسكرياً والذهاب إلى تسوية سياسية تعرف واشنطن جيداً المطالب الإيرانية فيها وهي :
وقف الحرب عليها وعلى حلفائها خاصة في لبنان والعراق بشكل نهائي مع ضمانات بعدم فتحها مجددا ً ورفع العقوبات الإقتصادية وتعويضات عن الأضرار، إضافة إلى استعادة الأصول الإيرانية المجمدة. والاعتراف بحق ايران بإمتلاك الطاقة النووية لأغراض سلمية ودورها ونفوذها في المنطقة .

إيران تدرك أن أهم ورقة تملكها ليست الصواريخ فقط ، بل الجغرافيا، وتحديداً مضيق هرمز. لذلك من غير المتوقع أن تقبل بفتح المضيق قبل أي اتفاق سياسي شامل، لأنها ستخسر أهم ورقة ضغط لديها. والتجربة مع الولايات المتحدة في المفاوضات لا تشجع على تقديم تنازلات مجانية خاصة بعد هذه الحرب .

في هذا السياق، برزت وساطات دولية وإقليمية، أبرزها سلطنة عمان، إضافة إلى بريطانيا وألمانيا وقطر ومصر وروسيا وتركيا ، وكذلك الصين التي لا تريد حرباً كبرى تهدد إمدادات الطاقة العالمية. هذا الحراك الدبلوماسي يوحي بأن هناك مساراً سياسياً يتم التحضير له بالتوازي مع كل هذا التصعيد العسكري
فضلاً عن ضغط حلفاء واشنطن في الخليج، الذين شعروا بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة الهجمات التي يدفعون ثمنها بشكل كبير ومستمر بعد أن وُعدوا بأن الحرب ستكون سريعة. هذا التذمر يعكس أزمة ثقة حقيقية، لأن أخطر ما يمكن أن تخسره الولايات المتحدة في هذه الحرب ليس المعركة العسكرية فقط بل ثقة حلفائها ،في الخليج خاصة بعد خسارتها للإتحاد الأوربي .

المشهد اليوم يشير إلى أن واشنطن قد تكون بدأت تمهيد الرأي العام لفكرة إنهاء الحرب أو الخروج منها تدريجياً، خاصة وأنها لم تحقق أهدافها الكبرى، لأنها لا تريد التورط في حرب طويلة في الخليج، ولا انهيار أسواق الطاقة، ولا الدخول في حرب استنزاف جديدة. لذلك قد يكون السيناريو الأقرب هو التوصل إلى اتفاق سياسي يوقف الحرب مقابل ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة في المنطقة.
في ظل تصميم إيران على دفع كل الكلفة دفعة واحدة في هذه الحرب والحصول على كل ماتريده .

لكن يبقى احتمال أن تنسحب الولايات المتحدة من المواجهة المباشرة، بينما تواصل إسرائيل الحرب على الأقل على الجبهة اللبنانية خاصة بعد المفاجأت التي حققها حزب الله في لبنان بقدارته الصاروخية واخفاء المعلومات وقدراته بالمواجهة البرية على الحافة الأمامية وبالتالي فشل واخفاق اسرائيلي واضح ونتائج عكسية لكل توقعاته من الحرب الماضية في العام 2024 وهذا يعني ابقاء التهديد مفتوحاً لسكان الشمال وهذا الأمر يفشل كل مسار نتنياهو وطموحاته الذي سيسعى لإفشال المفاوضات وإبقاء الأمريكيين لمواصلة الحرب مهما بلغت الأثمان أو خوضها لوحده وعدم الإلتزام بالإتفاق إن حصل .
وهنا احتمال أن تتحول المواجهة إلى حرب إقليمية طويلة، خصوصاً إذا توسعت الجبهات ودخلت اليمن على خط المواجهة .
لأن هذه الحرب كانت حرب وجود ولايمكن أن تنتهي من دون تحقيق انتصار واضح او على الأقل تعادل يرضي الجميع .

في الخلاصة، ما يجري اليوم هو انتقال تدريجي من الحرب إلى التفاوض، لكن هذا لا يعني أن الحرب انتهت، بل يعني أن المرحلة القادمة ستكون صراعاً لا يقل خطورة عن الصراع العسكري. فالحروب تبدأ في الميدان، لكنها تنتهي بمكان آخر وظروف جديدة ، وهناك فقط يتحدد من انتصر ومن خسر، ومن سيدفع ثمن هذه الحرب، ومن سيحصد نتائجها .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى