International

▪️اليمن… حيث سيُكتب الخبر اليقين

✍️ وائل المولى – كاتب وصحافي

بعيداً عن الضجيج السياسي والعناوين الكبيرة التي رافقت الحرب، من إسقاط الأنظمة إلى حرية الملاحة في مضيق هرمز، يبدو أن هناك جبهة واحدة فقط ستقول الحقيقة الكاملة لهذه الحرب .
اليمن حتى الآن لم يدخل المعركة بشكلها الكامل، لكن كل المؤشرات تقول إن دخوله مسألة وقت، وعندما يدخل، فإن المعادلة كلها ستتغير، لأن اليمن لا يدخل كجبهة عادية، بل يدخل ومعه باب المندب، أحد أهم شرايين العالم.

المشكلة أن كثيرين ينظرون إلى الحرب على أنها صواريخ تضرب هنا أو هناك، أو معارك برية تتقدم وتتراجع، لكن الحقيقة الأعمق أن هذه الحرب تحولت تدريجياً إلى حرب ممرات بحرية. فالعالم اكتشف أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر نفطي، وأن باب المندب ليس مجرد ممر تجاري، بل إن المضيقين معاً يشكلان أهم شريانين للطاقة والتجارة في العالم. ومن هنا تصبح الصورة أوضح من يملك القدرة على التأثير في هرمز وباب المندب لا يملك فقط ورقة عسكرية، بل يملك ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي كله.

اليمن لم يكن في بداية الحرب العنوان الأول، لكنه مع تصاعد الأحداث قد يتحول إلى الجبهة الأكثر حساسية، ليس لأنه الأقوى عسكرياً بالمعنى التقليدي، بل لأن الجغرافيا منحته قوة استثنائية. فاليمن يطل على باب المندب، وهذا المضيق تمر منه نسبة كبيرة من تجارة العالم، وأي تهديد حقيقي هناك لا يعني مشكلة لدولة واحدة، بل يعني ارتفاع أسعار الشحن، وارتفاع أسعار النفط، واهتزاز الأسواق العالمية. ولهذا، فإن اليمن، رغم الحصار والحرب الطويلة، وجد نفسه في قلب المعادلة الدولية، لأن الجغرافيا أحياناً تصنع ما لا تصنعه الجيوش وهذا ماجعل ترامب سابقاً أن يوقف حربه على اليمن لأن المعركة عليه خاسرة .

لكن الأهم من ذلك، أن اليمن عندما يدخل المعركة بشكل مباشر، فإن الحرب ستنتقل إلى مرحلة جديدة مرحلة الصراع على البحر. وهنا لن يكون السؤال من ربح المعركة الفلانية، بل من يسيطر على الممرات. لأن الذي يسيطر على الممرات يملك القدرة على خنق الاقتصاد، ومن يملك ورقة الاقتصاد يملك ورقة السياسة، ومن يملك السياسة يملك قرار الحرب والسلام.

لهذا السبب، قد تنتهي الحرب في مكان ما بتفاهمات سياسية، وقد تتوقف الصواريخ في جبهات معينة، لكن ذلك لن يعني أن الحرب انتهت فعلاً. النهاية الحقيقية للحرب ستُعرف من البحر، من هناك، من باب المندب. فإذا بقيت الملاحة مهددة، فهذا يعني أن ميزان القوة تغير. وإذا فُرض أمن كامل في البحر، فهذا يعني أن القوى الكبرى ما زالت تمسك بالقرار. أما إذا بقي الوضع بين الحالتين، فهذا يعني أننا دخلنا مرحلة توازن رعب بحري، حيث لا أحد يستطيع أن يحسم، ولا أحد يستطيع أن يتراجع.

في الحروب الكبرى، هناك جبهات تشتعل وجبهات تقرر. الجبهات التي تشتعل كثيرة، لكن الجبهات التي تقرر قليلة. ويبدو أن اليمن قد لا يكون الجبهة الأكثر ضجيجاً في هذه الحرب، لكنه قد يكون الجبهة التي ستقرر نتيجتها. لأن بعض الحروب لا يحسمها من يطلق الصاروخ الأول، بل من يسيطر على الممر الأخير، وهناك، في باب المندب، قد لا تُكتب فقط نهاية الحرب، بل قد يُكتب شكل النظام الإقليمي الجديد، وهناك تحديداً سيُكتب الخبر اليقين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى