actualite

مقال: صراع يهدد النظام الأمريكي

بقلم: د. محمد السعيد إدريس

تواجه الولايات المتحدة واحدة من أخطر أزماتها السياسية الداخلية التي بدأت تتجاوز حدود الخطر الذي بات محتملاً إذا جاء الموعد الرسمي لتسليم السلطة، وهو يوم ال20 من يناير المقبل، والرئيس دونالد ترامب يرفض أن يسلم السلطة لمنافسه جوزيف بايدن، الذي تمت تسميته ب«الرئيس المنتخب»، وامتد الخطر إلى تهديد استقرار المؤسسات السياسية، ونزاهة بعض الولايات، مع احتمال تحول الرفض السياسي لنتائج الانتخابات إلى مواجهة بالأسلحة، ومن ثم الدفع بالولايات المتحدة إلى «الإضراب الداخلي».

ففي الوقت الذي بدأ فيه بايدن، وحملته، اتخاذ الإجراءات اللازمة لتسلم السلطة، والتهيؤ لعقد أول اجتماع لخلية الأزمة الموازية لاحتواء جائحة «كورونا»، وفي الوقت الذي يستعد فيه بايدن أيضاً للإدلاء بأول خطاب علني له، غداً السبت، بعد خطابه الذي كان أعلنه عقب ظهور نتائج فوزه الصريح بالأغلبية في المجمع الانتخابي، يظهر الرئيس دونالد ترامب، وأطراف مهمة في إدارته، وقيادات في الحزب الجمهوري، رفضاً قاطعاً لنتائج الانتخابات، والتحرك الفعلي للحيلولة دون تمكين بايدن من استلام السلطة لحين حسم المعركة القضائية التي يخوضونها، والتي يؤكدون أنها ستكشف حتماً أن النتائج المعلنة للانتخابات «مزورة».

فبحسب التقاليد المتبعة، كان يتعين أن يكون ترامب أقر بنتائج الانتخابات، وبدأ بالتعاون مع الإدارة الجديدة، وصولاً إلى الموعد المحدد لانتقال السلطة، لكن على العكس من ذلك، يعمل ترامب، وإدارته، على عدم منح فريق بايدن ما يعرف ب«الحزمة المالية» التي تخصص عادة لمساعدة الفائز في الانتخابات على استكمال الاستعدادات لتولى السلطة، وتشمل هذه الحزمة توفير مقر في واشنطن لفريق الرئيس المنتخب. وانسحب هذا الموقف السلبي لإدارة ترامب على موقف وزارة الدفاع التي أعلنت أنها لن تتواصل مع فريق بايدن، بحجة أنها «لم تتلق إخطاراً بالتعاون من إدارة الخدمات العامة».

الأمر لم يعد يقتصر على هذه العرقلة، بل إن ترامب، وحملته والإدارة الأمريكية، يعملان في مسارين آخرين، الأول هو المسار القضائي لعرقلة تسليم بايدن السلطة، بزعم أن القضاء «سوف يفضح التزوير»، ويعيد إعلان ترامب رئيساً منتخباً. وترامب استعاد لياقته في كتابة التعليقات على منصة «تويتر»، ويعمل جاهداً في اتجاه ترسيخ التشكيك في نزاهة النتائج، والتأكيد أنه «الرئيس الفائز». ومن بين تغريداته قوله: «هؤلاء الناس لصوص.. أجهزة المدن الكبرى فاسدة.. هذه انتخابات مسروقة».

ويدعم الرئيس ترامب فى هذا المسعى أسرته، وعدد كبير من أبرز أعضاء مجلس الشيوخ من الجمهوريين، أبرزهم السيناتور ليندسي جراهام، عن ولاية كارولينا الجنوبية، وكذلك محامي ترامب رودي جولياني، والمدعي العام السابق بولاية فلوريدا، يام بوندي، والمستشارون السياسيون كوري ليفاندوفسكي، وديفيد يوسى، وجميعهم يدعمون موقف ترامب، ويتحركون في الاتجاه نفسه، والتحرك في الولايات لتجييش الحلفاء لرفض التسليم بنتائج الانتخابات، وتبني موقف ترامب على نحو ما يفعل كل من دونالد ترامب الابن، وشقيقه إريك ترامب.

لكن أخطر المواقف الداعمة جاءت من السيناتور ليندسي جراهام الذي نقل الأزمة من «حدودها الشخصية» للرئيس ترامب، واعتبرها «أزمة الحزب الجمهوري كله»، ما يعني أنه يريد توسيع المواجهة، ودفع الحزب الجمهوري إلى عدم الاعتراف بالنتائج، مع كل ما قد يترتب على ذلك من تداعيات يرى البعض أنها يمكن أن تقود إلى الفوضى، أو إلى إعادة الانتخابات، وهذا ما يعتبره كثيرون «مستحيلاً».

فقد حض جراهام الرئيس ترامب على «القتال بشراسة وعدم الإقرار بالخسارة»، لكن الأكثر من ذلك أنه وصف عملية التصويت بالبريد بأنها «فوضى عارمة»، وأصر على القول إن «كل ما كنا قلقين بشأنه تحقق، وإن لم نتصد لذلك في عام 2020 فلن نفوز مجدداً بأي انتخابات رئاسية».

المسار الثاني الذي يحرص ترامب على الخوض فيه لتأكيد بقائه في السلطة، وعدم وجود نية عنده لتسليمها، على نحو قراره الذي اتخذه بإقالة وزير الدفاع مارك إسبر وتعيين كريستوفر ميلر مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب. نانسي بيلوسي زعيمة الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب أدركت هذا المعنى، وقالت إن «الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن توقيت هذه الإقالة تثير تساؤلات جدية حول إجراءات ترامب المخطط لها في الأيام الأخيرة من إدارته».

هذه التساؤلات التي تتحدث عنها بيلوسي تشغل الأمريكيين كلهم في ظل حالة احتقان شعبي غير مسبوقة، عبرت عن نفسها بمشاركة 160 مليون أمريكي في الانتخابات الرئاسية، وحصول جو بايدن على 74 مليون صوت، وحصول ترامب على نحو 71 مليون صوت، ما يعنى أن جمهور الناخبين الهائل منقسم على نفسه، وأنه في حالة احتقان، وكل طرف مستعد للدفاع عن مرشحه المفضل، الأمر الذي يحمل معه مخاطر المواجهات التي قد تتحول إلى دامية، خاصة في ظل ترجيح أطراف في حملة بايدن بأن «يساق الرئيس ترامب بالقوة خارج البيت الأبيض»، في حال رفض مغادرته في الموعد المحدد، على نحو ما جاء على لسان أندرو بيتس المتحدث باسم «حملة بايدن»، وعلى نحو ما كتبت مجلة «نيوزويك» التي رجحت أن تقوم «الخدمة السرية» بهذه المهمة.

mohamed.alsaid.idries@gmail.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى