
مائة دقيقة من كرة القدم ،لا يمكنها أبدًا أن تضرّ بألف سنة من العلاقات التآلفية بين السنغال والمغرب
د. شيخ تيجان غاجو
لا يمكن لمائة دقيقة من كرة القدم، مهما بلغت حدّتها أو اشتدّت انفعالاتها، أن تمسّ أو تُضعف ألف سنة من العلاقات الأخوية العميقة التي جمعت بين السنغال والمغرب؛ علاقات تأسست على التاريخ المشترك، والروابط الروحية، والتحالف السياسي، والمصير الإفريقي الواحد.
لقد أثبت المؤرخون بشكل راسخ أن المرابطين، روّاد بروز الفخر الإفريقي المعروف باسم مملكة المغرب، ومؤسسي المدينة الرمزية مراكش، وصلوا إلى منطقة نهر السنغال في منتصف القرن الحادي عشر، حيث أقاموا اتصالات مباشرة مع مملكة تكرور، الواقعة على ضفاف النهر نفسه، والتي تُعدّ من أقدم الكيانات السياسية في إفريقيا الغربية، وتشكل إحدى الركائز التاريخية للدولة السنغالية الحديثة.
وبهذا المسار التاريخي، ساهم المرابطون في أسلمة نخب تكرور، وأقاموا معها تحالفًا وثيقًا بلغ حدّ اندماج جزء من تلك النخب في المشروع المرابطي ذاته. وانطلاقًا من هذا المرجع العميق، لم يكن مستغربًا أن يروّج وزراء خارجية البلدين لعبارة بالغة الدلالة، مفادها أن ألف سنة من شهر عسل بلا نهاية بين السنغال والمغرب لا يمكن أن تكون إلا بركةً وإرادةً من الله.
لقد تلقيتُ تهاني عدد كبير من الأصدقاء في المغرب، وفي مختلف أنحاء إفريقيا والعالم، بمناسبة الانتصار التاريخي للمنتخب السنغالي الموهوب والجذّاب. غير أن معظمهم ختم حديثه بملاحظة واحدة متكررة وعميقة الدلالة، تتمثل في دعوتي إلى المساهمة في تهدئة الأجواء وإعادة المنافسة الرياضية إلى حجمها الطبيعي، إدراكًا منهم لقوة كرة القدم وقدرتها أحيانًا على إيقاظ أسوأ الغرائز الإنسانية.
فنحن نعرف جيدًا الشياطين التي قد تختبئ خلف المشاعر المرتبطة بكرة القدم، كما نُدرك كيف يمكن لردود الفعل السامة، التي تُضخّمها شبكات التواصل الاجتماعي، أن تحاول الإضرار بعلاقة إفريقية فريدة بين دولتين تجاوزتا منطق الصداقة التقليدية إلى مستوى التحالف الاستراتيجي والتضامن العميق.
ومع أنني قبلت هذا التحدي بتواضع، فقد أكدت أن صوت العقل نادرًا ما يكون هو المحرّك الأول في لحظات الانفجار العاطفي الجماعي. غير أن لكل أزمة عمرًا، ومن الحكمة منح الزمن حقه، وترك الانفعالات السلبية تستنفد طاقتها، ثم التذكير بأن على كل سنغالي عاقل وكل مغربي عاقل أن يحافظ على هذه القوة المشتركة ويصونها باعتبارها رصيدًا تاريخيًا واستراتيجيًا لا يُقدّر بثمن.
وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بعمق الروابط الروحية التي تجمع البلدين، والتي تنبع من مدينة فاس التاريخية، ومن الزاوية التجانية التي أسسها سيدي الشيخ أحمد التجاني رضي الله عنه، والتي وجدت في السنغال امتدادًا روحيًا أصيلًا، تجلّى عبر أعلام كبار، من بينهم الشيخ عمر الفوتي، وسيدي مالك سي، والشيخ إبراهيم نياس، وسائر الرموز التيجانية في فوتا، ومدينا غوناس، وبير، وتيانبا، ومبور، وغيرها من الحواضر الروحية التي شكّلت جسورًا راسخة بين الضفتين.
كما يبرز الدور العلمي والروحي للشيخ العلامة محمود إبراهيم جوب، الذي لعب دورًا محوريًا في توثيق الصلات بين علماء المغرب والسنغال، وألقى عددًا من الدروس الحسنية في حضرة الملك الراحل الحسن الثاني، مجسدًا صورة العالم الإفريقي الجامع بين العلم، والاعتدال، والانفتاح.
ولا يمكن إغفال رمزية مسجد داكار الكبير، الذي أهداه الملك الحسن الثاني للسنغال، وافتتحه بنفسه رفقة صديقه الرئيس ليوبولد سيدار سنغور في السابع والعشرين من مارس عام 1964. لقد كان الملك الحسن الثاني صديقًا وفيًّا للسنغال، ودبلوماسيًا عالميًا من طراز رفيع، وبالتحالف مع سنغور، الشاعر والرئيس ومؤسس حركة الزنوجة، أسّسا معًا نموذجًا رائدًا للدبلوماسية الثقافية الإفريقية بعد الاستقلال.
كما لا يمكن تجاهل الدور البارز للزعيم الإفريقي الراحل أمادو مختار مبو، المدير العام السابق لمنظمة اليونسكو، الذي حظي بمكانة فكرية مرموقة في المغرب والسنغال والعالم، وكان رمزًا لاحترام التعدد الثقافي والتوازن الحضاري.
وكان رئيس البرلمان السنغالي سابقا السيد مصطفى نياس بدوره قريبًا من الملك الحسن الثاني، كما يجدر التذكير بالدور الكبير الذي اضطلع به الدبلوماسي والمثقف المغربي الراحل محمد بن عيسى، الذي جسّد الصداقة المغربية السنغالية في أبهى صورها، وجعل من مدينة أصيلة فضاءً دائمًا للحوار الإفريقي والدولي.
أما في المجال الأمني، فقد أكد لي أحد كبار الجنرالات السنغاليين، ممن تخرّجوا في الأكاديمية العسكرية الملكية بمكناس، أن المغرب كان الدولة الوحيدة التي أرسلت وحدة عسكرية متخصصة إلى جانب السنغال خلال عمليات نزع الألغام في إقليم كازامانس، في دليل عملي لا لبس فيه على عمق الثقة والتضامن بين البلدين.
واليوم، يواصل جلالة الملك محمد السادس، ملك المغرب، هذا المسار الإفريقي بثبات ورؤية استراتيجية متبصّرة، جعلت من المغرب نموذجًا في التنمية والتحديث والانخراط العميق في القارة، عبر مشاريع كبرى في البنية التحتية، والنقل، والطاقة، والاقتصاد، والتعليم، والرقمنة، والاستثمار الإفريقي القائم على مبدأ الشراكة والربح المشترك.
وبفضل هذه الصداقة المتينة، لعبت السنغال دورًا رياديًا في الدفاع عن وحدة التراب المغربي داخل منظمة الوحدة الإفريقية ثم الاتحاد الإفريقي، إيمانًا راسخًا منها بأن تقسيم الدول الإفريقية يشكل مقدمة خطيرة لتفكيك القارة بأسرها.
ولهذه الأسباب مجتمعة، لا ينبغي لأي توتر عابر أو انفعال رياضي أن يخلق مشاعر عداء بين شعبين شقيقين. فالفائز الحقيقي ليس فقط من يرفع الكأس، بل من يحافظ على العقل، والاحترام، والذاكرة التاريخية المشتركة.
لقد فازت السنغال بكأس الأمم الإفريقية، وفاز المغرب بتنظيم واحدة من أجمل البطولات الإفريقية التي أُقيمت على أرض إفريقية. وعلينا جميعًا أن نلتف حول المغرب لإنجاح كأس العالم لعام 2030، لأنه سيكون انتصارًا للمغرب، وانتصارًا لإفريقيا بأسرها.
إن وحدة إفريقيا، كما حلم بها الملك محمد الخامس وقادة مجموعة الدار البيضاء، تظل الطريق الوحيد لبناء مستقبل كريم لشعوبنا، ولنموذج متجدد للصداقة السنغالية المغربية، هذا النموذج الذي ينبغي أن يُصان، ويُحتذى، ويُنقل إلى الأجيال القادمة.
وزير خارجية السنغال الأسبق
رئيس المعهد الأفريقي للاستراتيجيات
(السلام – الأمن -الحوكمة )




i enjoy reading your articles, it is simply amazing, you are doing great work, do you post often? i will be checking you out again for your next post. you can check out webdesignagenturnürnberg.de the best webdesign agency in nuremberg Germany