Articles

فنزويلا والتحولات الجيوسياسية للنظام المالي العالمي.

بقلم: د. عمر ع. عيسى نيانغ

لم تعد التطورات المرتبطة بفنزويلا شأناً داخلياً أو إقليمياً معزولاً، بل أضحت تعبيراً عن تحولات أعمق تمس بنية النظام الاقتصادي والمالي الدولي. فالقضية، في جوهرها، تتجاوز العناوين المتداولة والخطابات المعلنة، لتلامس إعادة تشكيل موازين النفوذ النقدي والطاقوي في عالم يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية مهيمنة إلى تعددية أكثر تعقيداً.
الخلفية البنيوية للنظام القائم
منذ عام 1974، تشكّل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد العالمي الحديث على أساس الترتيب الذي قاده هنري كيسنجر، والقائم على تسعير النفط بالدولار الأميركي مقابل ضمانات أمنية. وقد أسّس هذا الترتيب لما عُرف لاحقاً بنظام البترودولار، الذي لم يكن مجرد آلية تجارية، بل أداة استراتيجية رسّخت الطلب العالمي على الدولار، ومنحت الولايات المتحدة قدرة استثنائية على تمويل سياساتها الاقتصادية والعسكرية لعقود طويلة.
فنزويلا: دلالة تتجاوز الجغرافيا
تكتسب فنزويلا أهمية خاصة لكونها تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، غير أن العامل الحاسم لا يكمن في حجم الموارد فحسب، بل في التوجهات السياسية والاقتصادية التي انتهجتها خلال السنوات الأخيرة. فقد سعت كراكاس إلى تنويع عملات تسعير صادراتها النفطية، وتقليص الاعتماد الأحادي على الدولار، وتعزيز شراكاتها مع قوى دولية صاعدة، إلى جانب التفاعل مع تكتلات اقتصادية ناشئة مثل بريكس، والبحث عن قنوات مالية بديلة للنظام التقليدي المرتكز على SWIFT.
هذه الخيارات لا يمكن قراءتها كإجراءات تقنية معزولة، بل كجزء من مسار عالمي أوسع يسعى إلى تنويع النظام النقدي وإعادة التوازن إليه، دون القفز نحو قطيعة فجائية مع المنظومة القائمة.
تفكيك الخطاب المعلن
إن ما يُطرح تحت عنوان “محاربة المخدرات” لا يستدعي، من منظور مهني وقانوني، هذا المستوى من الاستعراض السياسي من قِبل رئيس دولة كبرى وجميع أجهزتها التنفيذية. فمكافحة المخدرات، بطبيعتها، قضية أمنية وقضائية تتكفل بها الأجهزة المختصة ضمن الأطر القانونية والتعاون الدولي المنظم.
وعليه، فإن تضخيم هذا العنوان يخفي حقيقة أكثر عمقاً، مفادها أن القضية سياسية–اقتصادية بامتياز، ترتبط بخيارات سيادية اتخذتها فنزويلا وبموقعها في معادلة الطاقة والتمويل العالميين.
عامل التحالفات والاعتبارات الجيوسياسية
يزداد هذا البعد وضوحاً عند النظر إلى طبيعة التحالفات الفنزويلية مع قوى من الشرق، مثل روسيا والصين وإيران، إضافة إلى علاقاتها الإقليمية مع كوبا وكولومبيا.
إن هذا التوجه، مقترناً بالموقع الجغرافي لفنزويلا في محيط قريب من الولايات المتحدة، يفسر جانباً مهماً من عدم الارتياح الاستراتيجي تجاه هذا الخيار السياسي–الاقتصادي، ويجعل الملف يتجاوز بكثير الاعتبارات الأمنية التقليدية.
السياق الدولي المتحوّل
في موازاة ذلك، يشهد النظام المالي العالمي مؤشرات واضحة على مرحلة إعادة ضبط تدريجية، من خلال:
توسّع استخدام العملات المحلية في تجارة الطاقة
تنامي دور أنظمة تسوية بديلة مثل CIPS
تطوير مشاريع مبتكرة للتسويات العابرة للحدود، من بينها mBridge
هذه التحولات لا تعني انهياراً وشيكاً للنظام القائم، لكنها تعكس اتجاهاً متصاعداً نحو تعددية نقدية ومالية أوسع.
الخلاصة ،
إن قضية فنزويلا لا تختزل في نزاع سياسي عابر أو ملف أمني ظرفي، بل تعكس صراعاً ناعماً حول قواعد النظام الدولي ذاته. وإدارة هذا التحول تتطلب مقاربة دبلوماسية رشيدة، تقوم على احترام سيادة الدول، والحوار المتوازن، والتكيف الواقعي مع عالم تتغير فيه مراكز القوة بوتيرة متسارعة.
فنزويلا، في هذا السياق، ليست استثناءً، بل إحدى إشارات التحول في نظام عالمي يُعاد تشكيله بهدوء. ويبقى الرهان الأساسي هو ما إذا كان هذا التحول سيُدار بمنطق التفاهم والتوازن، أم بمنطق التصعيد الذي لا يخدم الاستقرار الدولي ولا التنمية المشتركة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى