Articles

غرب إفريقيا: الانقلابات العسكرية وانهيار الدولة من الداخل

بقلم عمر علي نيانغ

لم تعد الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا مجرد حوادث عرضية أو ردود فعل على أزمات ظرفية عابرة. فقد تحولت إلى ظاهرة هيكلية تكشف عن هشاشة عميقة للدولة وعن اختلال مستدام في العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية. فالجيش، الذي أُنشئ أصلاً لحماية الدستور وضمان الأمن الوطني، أصبح تدريجيًا فاعلًا سياسيًا مستقلًا، يعيد تعريف الشرعية ليس عبر الانتخابات الشعبية، بل من خلال ميزان القوة والسيطرة.
وتكمن خطورة هذه الديناميكية ليس فقط في لحظة الانقلاب نفسها، بل في ما يسبقها وما يليها. ففي المراحل السابقة، يُضعف الدولة تآكل الثقة العامة، وغياب الإصلاحات المؤسساتية الجادة، وتسييس القوات المسلحة، واستغلال التوترات الداخلية. أما بعد الانقلاب، فإن البلاد تنزلق إلى منطقة رمادية مؤسساتيًا: حيث تُعلق الدساتير، تتجمد المؤسسات، تكون التحولات غير محددة، وتسود قاعدة الاستثناء على قاعدة القانون.
ويجسد مثال غينيا بيساو هذه الانحدارات بشكل واضح. فمنذ الاستقلال، أصبحت حالة عدم الاستقرار شبه مزمنة، ما حول البلاد إلى مختبر دائم للانقلابات ومحاولات الإطاحة بالسلطة. لم يعد الوصول إلى منصب الرئاسة يتم عبر التناوب الديمقراطي، بل من خلال السيطرة على أدوات القوة الأمنية، على حساب استمرار ضعف الدولة، واختناق الاقتصاد، وهشاشة السيادة الوطنية أمام التدخلات الخارجية.
ولا تنبع الانقلابات فقط من الطموحات العسكرية الفردية، بل تتجذر في عوامل متعددة ومتشابكة: الإرث المؤسساتي ما بعد الاستعماري غير المكتمل، إخفاق النخب المدنية، أنظمة دستورية هشة، انقسامات اجتماعية مستمرة، وتغاضي أو تساهل بعض الفاعلين الإقليميين والدوليين. وهذه التساهلات الضمنية تبعث برسالة خطيرة: أن القوة الانقلابية يمكن أن تكون مجدية سياسيًا إذا خدمت مصالح محددة.
والأمر الأكثر إثارة للقلق، هو تطبيع الانقلابات تدريجيًا في المشهد السياسي في غرب إفريقيا، ما يؤدي إلى تفريغ الديمقراطية من محتواها، وتحويل دولة القانون إلى متغير قابل للتعديل حسب المصالح. وبهذا تُحرم المجتمعات من حقها الأساسي في بناء مساراتها السياسية وتصحيحها وتعزيزها عبر آليات سلمية وشرعية.
ولا يمكن الخروج من هذه الأزمة عبر إدانات شكلية أو عقوبات انتقائية. إنما يتطلب الأمر إعادة تأسيس العقد الاجتماعي، وتوضيح العلاقة بين السلطة المدنية والسلطة العسكرية، واحتراف القوات المسلحة بحيث تخضع بالكامل للسلطة الدستورية. وفقط على هذا الأساس، يمكن لغرب إفريقيا أن تكسر صورة “بطلة الانقلابات” وأن تفرز مؤسسات قوية، تضمن الاستقرار، والشرعية، والمستقبل لشعوبها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. هذه التحليلات مهمة جداً لفهم التحديات التي تواجه غرب إفريقيا. يبدو أن العلاقة بين الجيش والدولة تحتاج إلى إعادة تقييم شامل.

  2. Qibetvn caught my eye the other day. The site looks pretty clean, and the mobile experience is decent. Still testing the waters, but so far, so good. Definitely worth a peep: qibetvn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى