
سلطنة عمان: نموذج فريد للدبلوماسية الناعمة والاستقرار الإقليمي والدولي
✍️ د. عمر ع عيسى نيانغ
تتمتع سلطنة عمان بمكانة استثنائية في الخليج العربي وعلى الساحة الدولية، حيث تجمع بين إرث حضاري عميق وتراث عربي وإسلامي غني، وبين رؤية دبلوماسية قائمة على الحكمة، والرصانة، والاعتدال في التعامل مع القضايا الإقليمية والدولية. فقد اختارت سلطنة عمان، عبر عقود طويلة، أن تكون دولة سلام واستقرار، بعيدة عن الاصطفافات الحادة أو الصراعات، محافظة على حياد إيجابي وانفتاح على جميع الأطراف، مع الالتزام الصارم بمبادئ عدم التدخل، واحترام سيادة الدول، وبناء الجسور بدلًا من الجدران.
لقد رسّخ السلطان قابوس بن سعيد، رحمه الله، هذا النهج بأسلوب عملي راسخ، وجعل من سلطنة عمان منصة للسلام والحوار في أوقات الأزمات. فقد لعبت سلطنة عمان دورًا محوريًا في وساطات دولية وإقليمية عديدة، بدءًا من تسهيل الحوار بين دول متنازعة، وصولًا إلى دعم جهود الحلول السلمية في الأزمات الإقليمية. ومثل هذا التعاطي الهادئ والرصين أكسب سلطنة عمان سمعة عالمية كمكان موثوق للتواصل بين الأطراف المختلفة، ومنحها القدرة على التأثير في المواقف الإقليمية والدولية دون استخدام القوة أو الضغط، مما جعلها مثالًا حيًا للدبلوماسية الناعمة.
لم يقتصر دور سلطنة عمان على السياسة فحسب، بل امتد لدعم القضايا العربية والإسلامية بشكل متوازن ومسؤول، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني. فقد ساهمت سلطنة عمان، عبر وساطتها الموثوقة، في تخفيف التوتر بين الدول العربية والإسلامية، وحفّزت على الحوار البناء في أوقات الأزمات، مع التمسك بالقيم الإنسانية والعدالة، وهو ما منحها احترامًا واسعًا على المستويين الإقليمي والدولي.
ومع تولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم، واصلت سلطنة عمان نهج التنمية والسياسة المتوازنة، مؤكدة على استمرار الدبلوماسية العمانية كأداة للحوار والسلام، وعلى تعزيز العلاقات الدولية على أساس الثقة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. فقد ركزت القيادة الحالية على تطوير الاقتصاد الوطني، وربط السياسة الخارجية بخدمة مشاريع التنمية، وتعزيز الشراكات الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، مع الحفاظ على مبدأ الحياد وبناء علاقات متوازنة مع جميع القوى الإقليمية والدولية.
هذا النهج الهادئ في التعاطي مع القضايا الإقليمية والدولية منح سلطنة عمان صفة خاصة وفريدة في عالم الدبلوماسية، حيث يُنظر إليها كدولة تعتمد العقل والحوار والوساطة بدلًا من الصراع والمواجهة، وتجعل من الرزانة والتفكير الاستراتيجي أدوات أساسية لحفظ مصالحها ومصالح محيطها. وقد ساعدت هذه السياسة المستمرة على تعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي، وتسهيل التواصل بين الأطراف المختلفة، وتحقيق نتائج ملموسة في العديد من الأزمات، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو إنسانية.
إن مسيرة سلطنة عمان، من نهج السلطان قابوس رحمه الله إلى رؤية السلطان هيثم بن طارق، تعكس نموذجًا متكاملًا لدولة اختارت أن تكون صوت الحكمة والدبلوماسية الناعمة في عالم متغير، وأن تجعل من الحوار والاعتدال والهدوء أدواتها الأساسية في التعامل مع التحديات الداخلية والخارجية. إنها دولة تدعم القضايا العادلة، وتحافظ على التوازن بين مصالحها الوطنية، واستقرار محيطها الإقليمي والدولي، وتلعب دورًا فاعلًا في المجتمع الدولي، بما يجعلها نموذجًا يحتذى به في السياسة الرشيدة والدبلوماسية الناعمة.



