Articles

ذكرى ترجل الشيخ شيبة الحمد جوف : عبقري بين الثقلين

في مثل هذا اليوم، وفي فجر الثامن والعشرين من مارس عام 2014م، ترجل فارسٌ من فرسان الدعوة الإسلامية في السنغال، وعالمٌ ربانيٌّ جليل؛ هو فضيلة الشيخ شيبة الحمد جوف -رحمه الله-. مضى الى جوار ربه بعد عمرٍ حافلٍ بالعمل الإسلامي،ومسيرةٍ عطرة بالذكر الحسن، ليترك خلفه قلوباً أضناها الفقد، وعيوناً أبكاها الرحيل، وشيعه إلى مثواه الأخير خلقٌ كثير، تلهج ألسنتهم بالدعاء لمولىً رحيم بأن يتغمده بواسع غفرانه.
لقد كان لهذا النبأ العظيم وقعٌ أليم في نفسي، ومع مرور الأيام والليالي، لا يزداد حزني إلا عمقاً، ولا تتجدد آلامي إلا لوعةً؛ وفقدُه مأتمٌ يتكرر في في ذاكرتي:
طَوَاهُ الرَّدَى عَنِّي فَأَضْحَى مَزَارُهُ
بَعِيداً عَلَى قُرْبٍ قَرِيباً عَلَى بُعْدِ
نعم، لقد اكتمل اليوم عقدٌ كامل على غياب شيخي، ولا يزال الجرح غائراً لم يندمل، بل تنكأه بواعث الذكريات في كل حين، فما غاب طيفه عن الوجدان لحظة:
تُذَكِّرْنِيهِ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا
وَتَعْرِضُ ذِكْرَاهُ إِذَا غَرْبُهَا أَفَلْ
وَإِنْ هَبَّتِ الْأَرْوَاحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَهُ
فَيَا طُولَ مَا حُزْنِي عَلَيْهِ وَمَا وَجَلْ
عبقرية الأخلاق والهمة: عرفتُه عصامياً، متوشحاً بالجد والمثابرة، عالي الهمة، عزيز النفس، دؤوب النشاط والكفاح، وكان ضنيناً بوقته، حريصاً على اقتفاء أثر الكتاب والسنة، متهلل الوجه ببشرٍ يألفه الغريب قبل القريب، جمع بين التواضع الجم والكرم السخي، فبذل ماله وجهده في أوجه الإحسان والصلة، حتى مالت إليه القلوب ولهجت الألسن بالثناء عليه، وصدق فيه قول الشاعر:
وَإِنَّمَا المَرْءُ حَدِيثٌ بَعْدَهُ
فَكُنْ حَدِيثاً حَسَناً لِمَنْ وَعَى
العالم الرباني والفقيه المتبحر: لقد كان شيخنا عالماً ربانياً، زاهداً في زخارف الدنيا، لا تغريه المناصب ولا تشغله الحظوظ الفانية. جعل القرآن الكريم هاديه، والسنة الغراء أنيسه، فلم يزغ عن المحجة البيضاء حتى أتاه اليقين، فلله در القائل:
إِنَّ للهِ عِبَاداً فُطَنَا
طَلَّقُوا الدُّنْيَا وَخَافُوا الفِتَنَا
نَظَرُوا فِيهَا فَلَمَّا عَلِمُوا
أَنَّهَا لَيْسَتْ لِحَيٍّ وَطَنَا
جَعَلُوهَا لُجَّةً وَاتَّخَذُوا
صَالِحَ الأَعْمَالِ فِيهَا سُفُنَا
وعلى مائدة العلم، عرفته فقيهاً مالكياً، وباحثاً مستقصياً في فنون المعرفة؛ مفسراً يجمع بين الرأي والمأثور، ومحدثاً ضابطاً للدراية والرواية، وأديباً أريباً، وشاعراً مفلقاً، ترك للمكتبة الإسلامية مؤلفاتٍ رصينة وبحوثاً ثرية في النوازل المعاصرة، وظل ملازماً للتعليم والتدريس حتى آخر رمق من حياته.
داعية الحكمة وطبيب القلوب: عرفته داعيةً يصدع بالحق بحكمة وموعظة حسنة، آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم. جاهد في نشر التوحيد، وشد الرحال إلى أقاصي البقاع في قوافل دعوية وطبية، فكان سبباً في هداية الجم الغفير، من الجن والإنس، وتحقق فيه وعد المصطفى ﷺ: (فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ).
عرفته اجتماعياً، وكان منزله واحةً للمحبين، يفيض بالفوائد العلمية والتوجيهات الأبوية. جعل بيته مأوى لليتامى والأرامل، ومنهلا لطلاب العلم، فكان يشارك الفقراء طعامه ويغدق عليهم من عطائه، لا يريد منهم جزاءً ولا شكوراً، قال الشاعر:
فَاغْرِسْ مِنَ الفِعْلِ الجَمِيلِ فَضَائِلاً
فَإِذَا رَحَلْتَ فَإِنَّهَا لَا تَرْحَلُ
كما كان طبيباً موهوباً، يعالج برقية شرعية مستمدة من الكتاب والسنة، مخلصاً في تطبببه، شديد العناية بحدود الشريعة.
وداعاً يا جمال الدين: شيخي، رحلتَ عنا جسداً وبقيت في سويداء القلب حياً، إن هذه الدموع التي تسكبها المآقي، والعبرات التي تضيق بها الصدور، ليست إلا صدىً لمحبتك الصادقة في نفوسنا.
ولله در الشاعر في رثائك:
مَاتَ الهُمَامُ وَمُحْيِي الدِّينِ وَالسُّنَنِ
مَاتَ المُدَاوِي وَكُلُّ النَّاسِ فِي شَجَنِ
يَا شَيْبَةَ الحَمْدِ يَا مَنْ طَابَ سَعْيُكُمُ
فَاسْكُنْ مَدَى الدَّهْرِ فِي مبول غير ممتحن
فَمَوْتُكُمْ جَمْرَةٌ فِي القَلْبِ مُحْرِقَةٌ
تَحْرِقُ النَّاسَ فِي الأَرْيَافِ وَالمُدُنِ
مَنْ لِلْعَقِيدَةِ مَنْ لِلطِّبِّ مِنْ بَدَلٍ
إِثْرَ الغِيَابِ غِيَابَ البَدْرِ فِي الكَفَنِ
أَبْكِي الفَقِيهَ وَمِعْوَاناً لِذِي أَمَلٍ
قَدْ كَانَ لِلدِّينِ فِي سِرٍّ وَفِي عَلَنِ
أَبْكِي الإِمَامَ الَّذِي بِفَضْلِهِ شَهِدَتْ
مُعَاصِرُوهُ طَبِيباً مُفْرَدَ الزَّمَنِ
كَالشَّمْسِ أَعْمَالُهُ فِي الدِّينِ سَاطِعَةٌ
قَدْ كَلَّ عَنْ حَصْرِهَا قَوْمٌ ذَوُو لَسَنِ
أَهْلَ الجَمَاعَةِ إِنِّي قَائِلٌ لَكُمْ
صَبْراً جَمِيلاً لِفَقْدِ العَالِمِ الفَطِنِ
رحمك الله يا شيخنا جمال الدين، وغفر لك، وجعل الفردوس الأعلى مستقرك ومثواك.
كتبه تلميذكم : عمر الفاروق فاي
باحث في الدكتوراه: البلاغة والأدب
المدينة المنورة: 28-3-2026م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى