
دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو: فنّ صناعة الأعداء
عمر علي عيسى نيانغ
في السياسة الحديثة، لا تُقاس قوة القادة بعدد الحلفاء الذين يحيطون بهم فحسب، بل بقدرتهم أيضًا على صياغة صورة واضحة للخصوم في وعي الجماهير. فالصراع، بقدر ما هو واقع سياسي، هو أيضًا رواية تُبنى بعناية وتُقدَّم للجمهور عبر خطاب مؤثر. وفي هذا السياق، برز اسما دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو بوصفهما من أبرز النماذج السياسية التي أتقنت توظيف ما يمكن تسميته بـ«فنّ صناعة الأعداء» في إدارة المشهد السياسي.
يقوم هذا الفن على مبدأ بسيط، لكنه شديد الفاعلية: تحويل السياسة إلى سردية واضحة المعالم تُقسّم العالم إلى معسكرين متقابلين؛ معسكر «نحن» الذي يمثل الشعب والهوية والمصلحة الوطنية، ومعسكر «هم» الذي يُصوَّر بوصفه مصدر التهديد أو العرقلة أو الخطر. وعندما تنجح القيادة في ترسيخ هذا التقسيم في وعي الجمهور، تصبح قادرة على تعبئة الأنصار، وتوجيه النقاش العام، وتبرير القرارات السياسية الكبرى.
في تجربة دونالد ترامب، اتخذ هذا الأسلوب طابعًا صداميًا ومباشرًا. فقد بنى جزءًا كبيرًا من خطابه على مواجهة ما اعتبره «النخب التقليدية» ووسائل الإعلام التي رآها منحازة ضده، إضافة إلى ملفات الهجرة والتجارة الدولية. وبفضل خطاب بسيط ومشحون بالعاطفة، استطاع تحويل العديد من القضايا المعقدة إلى معارك سياسية واضحة، ما منح قاعدته الشعبية شعورًا بالانخراط في صراع دفاعي عن الهوية الوطنية والمصالح الاقتصادية.
أما بنيامين نتنياهو، فقد اعتمد نهجًا أكثر ارتباطًا بالبعد الأمني والاستراتيجي. فمنذ سنوات طويلة في السلطة، رسّخ في خطابه السياسي فكرة أن إسرائيل تواجه تهديدات مستمرة تتطلب قيادة قوية وقادرة على اتخاذ قرارات حاسمة. وفي هذا السياق، يصبح تحديد الخصم عنصرًا محوريًا في بناء الشرعية السياسية، إذ تُقدَّم القيادة على أنها الحارس الذي يقف في الخط الأمامي لمواجهة الأخطار الإقليمية والتحديات الأمنية.
ولا تقتصر صناعة الأعداء على مجرد تسمية الخصم، بل تشمل عملية أوسع من بناء الرواية السياسية. فالخطاب، والصورة الإعلامية، والرموز المستخدمة في السياسة، كلها أدوات تُسهم في رسم ملامح هذا «العدو» في المخيال الجماعي. وعندما تتكرر هذه الصورة في الخطابات والوسائط الإعلامية، تتحول تدريجيًا إلى حقيقة راسخة في وعي جزء من الجمهور، حتى وإن كانت أكثر تعقيدًا في الواقع.
ومن الناحية الاستراتيجية، تمنح هذه الآلية القيادة السياسية عدة مزايا؛ فهي تساعد على توحيد القاعدة الشعبية حول هدف مشترك، وتعيد ترتيب الأولويات الوطنية تحت شعار مواجهة التهديدات، كما تتيح تحويل النقاش السياسي من تفاصيل السياسات اليومية إلى إطار أوسع من الصراع الوجودي أو القيمي.
غير أن هذا الأسلوب يحمل في طياته مخاطر واضحة. فالمبالغة في تصوير السياسة كمعركة دائمة قد تؤدي إلى تعميق الاستقطاب داخل المجتمع، وتحدّ من قدرة المؤسسات السياسية على بناء التوافقات. ومع مرور الوقت، قد تتحول الخلافات السياسية الطبيعية إلى انقسامات حادة يصعب تجاوزها.
عندما يلتقي فنّ صناعة الأعداء مع الشعبوية المطلقة
عندما يتقاطع «فنّ صناعة الأعداء» مع الشعبوية المطلقة، تتخذ السياسة منحى أكثر حدة وتأثيرًا. فالشعبوية تقوم أساسًا على فكرة تمثيل «الشعب الحقيقي» في مواجهة «النخب الفاسدة» أو «القوى المعادية». وعندما تُدمج هذه الفكرة مع خطاب يقوم على تحديد أعداء واضحين، يصبح الصراع السياسي أكثر بساطة في الظاهر، وأكثر تعقيدًا في الواقع.
في هذا السياق، يتحول الخطاب السياسي إلى معادلة ثنائية حادة: الشعب في جانب، والأعداء في الجانب الآخر. وتصبح كل معارضة سياسية قابلة للتأطير بوصفها جزءًا من هذا المعسكر المعادي. ونتيجة لذلك يفقد المجال السياسي تدريجيًا مناطق الوسط والرماديات التي تسمح بالنقاش العقلاني والتسويات.
ومن أبرز نتائج هذا التلاقي ارتفاع مستويات الاستقطاب داخل المجتمع، حيث يميل الخطاب العام إلى الحدة والتشكيك المتبادل. كما تتراجع الثقة بالمؤسسات التقليدية مثل الإعلام أو القضاء أو النخب الأكاديمية، إذ تُقدَّم هذه المؤسسات أحيانًا بوصفها جزءًا من منظومة الخصوم.
ومع ذلك، يمنح هذا الأسلوب القادة الشعبويين قدرة كبيرة على الحشد السياسي. فالرواية المبسطة التي تقوم على الصراع بين «الشعب» و«الأعداء» تكون سهلة الانتشار في عصر الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتقل الرسائل السياسية بسرعة وتصل إلى جمهور واسع دون وسيط.
لكن على المدى الطويل، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا: هل يمكن لنظام سياسي أن يستمر في الاعتماد على منطق الصراع الدائم دون أن يترك ذلك آثارًا عميقة على استقرار المجتمع وتماسكه؟
في نهاية المطاف، تكشف تجربة دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو أن «فنّ صناعة الأعداء» ليس مجرد أسلوب خطابي عابر، بل هو أداة سياسية متكاملة يمكن أن تعيد تشكيل المشهد العام وتحدد مسارات النقاش السياسي. وبين من يراه تعبيرًا عن الواقعية السياسية ومن يعتبره وقودًا للاستقطاب، يظل هذا الفن أحد أكثر الظواهر تأثيرًا وإثارةً للجدل في السياسة المعاصرة.


