
“برتون” جاسوس انجليزي دخل الكعبة
بقلم: أحمد صالح حلبي
يعتبر ريتشارد فرانسيس برتون ، واحدا من أوائل الانجليز الذين زاروا مكة المكرمة خفية وأكثرهم ذكاء ، وهو من مواليد عام 1821 م ، وقد أرسله والده مع شقيقه وشقيقته إلى فرنسا وإيطاليا للدراسة بها ، على أمل أن يعودوا مسلحين بالعمل والمعرفة ، وبرز نبوغ برتون في قدرته على اتقان اللغات الفرنسية والإيطالية واليونانية قبل بلوغه العشرين ، كما مكنته ثقافته الواسعة من الالتحاق بجامعة أكسفورد عام 1840م ، لكنه لم يستمر بها إذ طرد منها بعد عامين من التحاقه بها لأسباب تأديبية ، فالتحق بالجيش البريطاني فعين فيه برتبة ضابط استخبارات في الهند ، وهناك استطاع أن يظهر بمظهر الرجل المسلم ، فاستطاع بذلك كتابة الكثير من التقارير عن الأوضاع الاقتصادية والتجارية والاجتماعية في الهند .
وساعده بقاؤه فيها نحو ثمانية أعوام من تعلم اللغات العربية والهندية والفارسية ، كما أتقن العديد من اللهجات الهندية المحلية ، ويقال أن برتون استطاع اتقان أكثر من خمس وعشرين لغة وعدد من اللهجات.
وتمكن برتون من توظيف ذكائه بين الثقافة والجاسوسية ، بالمغامرة والدبلوماسية ، فقام بعدة رحلات استكشافية لمعرفة منابع النيل ، غير أن رحلته إلى مكة المكرمة كانت من أصعب الرحلات ، فبدايتها وإن جاءت بتمويل من الجمعية الجغرافية الملكية ، إلا أنها اشترطت عليه أن ينجو من رحلته ، وهو ما يعني عدم تكفل الجمعية بتأمين حياته ، وقد كلفه هذا الشرط إجادة اللغة العربية بطلاقة ، والالتزام بأعمال المسلمين وأقوالهم ، والتخفي بملابس شيخ وقور فتخفى تحت اسم الشيخ عبدالله ، ودخل مكة المكرمة في سبتمبر 1855 م ، واستطاع برتون أو لنقل الشيخ عبدالله ، من كسب صداقات جيدة مكنته من دخول الكعبة المشرفة !
ويقال أنه ثاني شخص غير مسلم يؤدي فريضة الحج ، بعد لودفيكو دي بارثيما الذي دخل مكة المكرمة عام 1503 ، غير أن برتون تميز بقدرته على تقديم وصف دقيق لفريضة الحج ، مبتدئا بذكر الكعبة المشرفة وهي تتوسط المسجد الحرم قائلا : ” إن للكعبة المشرفة بريقها الوجداني الخاص الذي لا يمكن مقارنته بأي بناء معماري فرعوني أو يوناني ” .
كما قدم وصفا دقيقا للحجاج وهم متعلقون بأستار الكعبة ، وعند بابها ، وتناول حديثه عن الحجر الأسود ، وكيفية تقبيل المسلمين له .
وتحدث عن مشعر عرفات واصفا موقعه ، فبين أنها واقعة في طريق الطائف إلى الشرق من مكة ، وأن بها جبل الرحمة الذي يصل طوله 300 متر وبوسطه شاخص طوله ( 7 ) أمتار ، وهو ما يميزه عن بقية الجبال ، وبين أن الوقوف بعرفات يكون في يوم التاسع من شهر ذي الحجة .
وكما تناول برتون وصفه للمناطق التي زارها ، تناول وصف المعاناة التي تعرض لها الحجاج في رحلتهم ، كما ذكر أن عداد الحجاج الذين أدوا الفريضة في ذلك العام 1853 م ، بلغ خمسين ألف حاج .
وتوفي برتون في 20 أكتوبر 1890م بمدينة تريسته شمالي إيطاليا
للتواصل ahmad.s.a@hotmail.com



