
المدارس العربية بين الواقع والآمال في غرب أفريقيا (جمهورية مالي نموذجًا)
بشير دوكوري
تتقدم الأمم حين تستثمر بوعي في الموارد البشرية، عبر تأهيل القدرات والإمكانات الشبابية نقلًا وتعديلًا وتكييفًا من التجارب السابقة والمعارف السالفة، مما يساعد على إعداد الواقع وصناعة المستقبل الناجح، إضافة إلى سيادة الأنظمة والأخلاق الحسنة والعادات الرشيدة. ونتيجة لذلك ظهرت المدارس العربية بمسمّيات متعددة وأهداف فرعية مختلفة، مبنية على أهداف استراتيجية رئيسة متمثلة في خدمة الدين الإسلامي والتربية الحميدة.
غير أن تعدد المدارس وتشابهها أوجد حالة من التنافس غير المنضبط في خلق الصورة الذهنية والعلامة التجارية، عبر استقطاب شخصيات مشهورة مقبولة اجتماعيًا ودينيًا، دون العناية بالفرص المتاحة التي تسمح لها بالتدريس، وتوظيف أعداد هائلة من الكفاءات المتدنية. ويستجيب الكم الهائل للتسجيل من الطلبة، منبهرين إما بهذه الشخصيات العظيمة أو بمكانة المدير أو المؤسس، بعيدًا عن الحرص على الجودة والمؤهلات المتكافئة والأداء، مما يجعل خطط المدارس اكتساب إيرادات وأرباح على حساب تكوين الطلبة.
التحول إلى المدارس الفرنسية
أمام هذا الواقع في الحقل التعليمي بدأت بعض الأسر في تنظيم خياراتها التربوية، بالمقارنة بين واقع الطلبة وآفاق المستقبل الاجتماعي والاقتصادي، مما أدى إلى سحب أولادهم من المدارس العربية إلى المدارس الفرنسية، بدعوى ضعف واقعيتها في معالجة القضايا الاجتماعية والمشكلات الاقتصادية، وقلة الفرص الوظيفية في المناصب الحكومية، إضافة إلى الإشكالية اللغوية على مستوى الطلبة.
وفي شأن هذه التحولات الفكرية، وموجة انسحاب الأولاد من المدارس العربية بدعوى ضعف واقعيتها في إعداد الجيل الصاعد إعدادًا جيدًا، رفعت المدارس العربية شعارات ثنائية اللغة (مدرسة فرنكو-عربية) في كل أنحاء البلاد، وتسابقَت في الإعلانات والترويج عبر القنوات والإذاعات واللوحات ومواقع التواصل الاجتماعي.
أزمة الدور والوظيفة
ومع شعور الشعب، وأصحاب الديانة، ومثقفي اللغة العربية بالعزلة الثقافية في مؤسسات الدولة، وظهور التوترات المرتبطة بالهوية والدين، بدأ القائمون على المدارس وحملة لواء العربية بالاهتمام البالغ بالشؤون السياسية والقضايا الإدارية والمناصب الحكومية، مما جرّ بعض الأئمة أو المدراء إلى حضّ الطلبة أو الجماعات التابعة لهم على تنفيذ خياراتهم السياسية أثناء الانتخابات. كما عزم بعض حاملي لواء العربية على الانخراط في الأحزاب السياسية دون جدوى منشودة ولا خارطة ناجحة، مما يشير إلى تحديات في صفوف دارسي العربية بين بريق وغياب، نتيجة فقدان الكفاءة الفنية أو العلمية أو الرصيد الاجتماعي الداعم وسط المتفرسين.
بين الخطاب والنتائج
بالنظر إلى واقع المدارس العربية، يتضح أنها لم تكن مساهمة بفاعلية في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والمشاركة السياسية الفاعلة وفق معايير التنمية الحديثة والأساليب العلمية المتطورة من حيث الاستجابة والتلبية. بل كان الهدف الأساسي لها إخراج متعلمين يفهمون مبادئ الشريعة الإسلامية ونواقض الإسلام وفرائضه. ومع تطور هذه المدارس في إصدار شهادات، تمكنت من تخريج أجيال متعددة، وتوسعت في تحقيق الهدف الاستراتيجي للمدارس بناءً على ميولات شخصية ونتاج تلقينات في القاعات الدراسية.
وطائفة قليلة من دارسي العربية تفكروا في تنويع المعارف ما بين الشريعة والثقافة العامة، وتوسيع الوعاء اللغوي ما بين الفرنسية والعربية. ولما رجعت هذه الطائفة القليلة إلى البلد، اتخذت الثقافة الثنائية وسيلة للوصول إلى المناصب الحكومية، أي أخذت ثقافة دارسي الفرنسية في الملبس والكلام والهيئة، إما توقيًا من نزاع هوية يهدد مناصبهم، وإما خوفًا من انتقادات الأئمة والمدراء في المدارس العربية، مما وضعهم بعيدًا عن ضجيج الشعارات العربية.
التعليم من منظور المنفعة والإصلاحات
وعلى الرغم من هذه الجهود المبذولة من المدارس العربية، ما زالت تعاني من إشكالات في الهيكلة الإدارية، حيث إن معظم المدارس تُدار بالأنظمة التقليدية والقرارات الفردية، دون الخضوع للمعايير الإدارية ككيان مستقل بأهدافه ورؤاه ورسالته وثقافته والحوكمة المؤسسية.
سيناقش هذا المقال لفتة مهمة في الهيكلية الإدارية والمنهجية للمدارس في ضوء المنظور البراغماتي، انطلاقًا من مقولة تشارلس بيرس: «وجود الشيء كونه نافعًا».
إن النظرة إلى المدارس العربية في مالي تُظهر أنها لا تحرص على المخرجات التعليمية بقدر ما تحرص على إقبال الكم الهائل للتسجيل ولبس الأزياء المدرسية، وما يُسمع من أناشيد المدح في الشوارع وأبواب المساجد، وما يُزيَّن به في أيام الاحتفال بالمتخرجين.
ألا تتفكر المدارس العربية في حال الطلاب الذين يصيحون على المنابر بالأقوال الفظة والخطابات غير الهادئة؟ والذين يستميتون في الهجرة إلى الغرب الذي كانت المدارس تشرح أفضلية الإسلام والمجتمع الإسلامي عليه؟ والذين يتسابقون في المظاهرات للاحتجاج نتيجة تصويتهم المسبق؟ والذين يجلسون في الشوارع العامة ويرمزون لكل مارٍّ وعابر بلا عمل ولا خطة منتجة؟ والذين يسافرون دون إتقان لغة أصلية (العربية) ولا لغة فرعية ثانوية (الفرنسية)؟ والطالبات اللاتي يتلقين العلاج على أيدي أطباء رجال في المستشفيات، بالرغم من وجود طوائف إسلامية تستنكر ذلك قولًا؟ فهل نستمر على هذا الوضع؟
ومن خلال هذه الإشارات المطروحة، يجب على المدارس أن تسعى إلى تحقيق النتائج والمنافع من خلال العمل، لا عبر سطور المدح والثناء، ولا بالوعظ المنتفخ الذي لا ينير طريق الشباب نحو النهضة والتقدم. لقد امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بالكلام الفكاهي والردود العقيمة.
حان الوقت لأن تُخرّج المدارس كوادر من الطلبة يتقنون اللغات التي أصبحت عامل جذب، مثل الفرنسية والإنجليزية والعربية، لإتاحة فرصة المواصلة في تخصصات تعود على الأمة الإسلامية بالفوائد المادية والمعنوية، كالإعلام والترجمة.
وكذلك يجب على المدارس العربية ترجمة الأقوال والأفكار إلى أعمال منتجة، فعلى سبيل المثال: تكوين الطالبات في العلوم والمهارات التي تمكنهن من مزاولة مهنة الطب، ومن ثم إنشاء مستشفيات تطبق مبدأ مداواة المرأة بالمرأة لتحقيق الغرض المنشود.
وفي الناحية السياسية، وما يتعلق بالمناصب الإدارية، فإن لدى دارسي العربية إمكانية كبيرة لإتقان هذه العلوم والأدوات المؤدية إليها، ومن ثم المشاركة في بناء الوطن، سواء عبر إنشاء أحزاب سياسية، أو التعيين في مناصب القضاء في الدولة، من خلال خدمة المجتمع والوطن، وصياغة قانون متوازن بين الشريعة ومصالح المجتمع بطريقة سلمية، سواء عن طريق مسابقات وطنية أو انتخابات شعبية، للحد من المظاهرات والاحتجاجات والاعتقالات المتعاقبة.
إن عناية المدارس العربية بمراجعة الهيكلية الإدارية والمنهج التربوي من شأنها أن تخفف تكاليف المظاهرات والمعاناة والمضايقات السياسية والطائفية في البلد، وكذلك النزاع اللغوي. فلو أتقن دارسو العربية اللغة الفرنسية، لما كان الإقصاء فعالًا على هذا المستوى. وفي هذا السياق يصبح دارسو العربية أمة قوية في مساجدها ومكاتبها ومناصبها، إضافة إلى قدرتها على صياغة القانون بأسلوب حكيم؛ إذ لا يوجد قانون لم يختلط بالديانة. وفي ذلك يتجلى مفهوم عالم الاجتماع أوجست كومت: «النظام تابع للأخلاق، والأخلاق تابعة للعقائد». إن الدراسة السطحية والمسلمات الغربية لدى بعض دارسي الفرنسية هي التي أدت إلى الجمود في كثير من مجالات الحياة في البلد.
ومما يستوجب التذكير أن عملية التعليم لا تقتصر على تشخيص المشكلات، فإن المنهجية الموروثة في كثير من المؤسسات التعليمية في مالي تقدم السقف المعرفي للأستاذ، مما يؤثر على قدرة الطلاب في إظهار الإبداع والنقد البنّاء والجرأة في الطرح. ويتربى الطالب على هذا السلوك السلبي، ويتخذه موقفًا حينما يصبح ذا سلطة، فيتصرف مثل أستاذه، مما يبعد الديمقراطية التعليمية واحترام رأي الآخر.
إن التوقف عند الإشادة بمشكلة مثل انسحاب الطلاب من دراسة العربية، دون تقديم دراسة واسعة، لا يكون فعالًا في معالجة المشكلة، بل قد يكون سبيلًا إلى تفاقمها. ومن النماذج المثلى للمنهج التعليمي في طرح المشكلات أن تحتذي المدارس العربية، على أقل تقدير، بما طرحه جون ديوي لحل المشكلة: «الإحساس بالمشكلة، تحديد المشكلة، وضع الفرضيات، الاستنباط، والتحقق». فهذا الأسلوب يعزز التفكير النقدي البنّاء والمبدع لدى الجيل الصاعد في مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية، تفاديًا لتراكم المعلومات غير المنضبطة التي تسبب اختلالات عقلية وتفسيرات سلوكية غير حميدة.
ومن خلال ما سبق، يتضح أن تعديل الهيكلية الإدارية والمنهجية التربوية في المدارس العربية، والانتقال من القرارات الفردية إلى الحوكمة المؤسسية، مع اعتماد التغذية الراجعة للمخرجات التعليمية، يحقق انسجام المنهج التربوي مع الواقع والمستقبل، ويمكّن الجيل الصاعد من تحقيق الإنجازات العلمية، وترسيخ القيم الإنسانية، والرفاهية الاجتماعية، والتقدم التكنولوجي.



