actualite

الصين من الداخل: هندسة القوة الصامتة وصعود الدولة-الحضارة في عالم متحوّل

عمر علي نيانغ

ليست الصين مجرد دولة صاعدة في النظام الدولي، بل هي مشروع حضاري-سياسي-اقتصادي متكامل يعيد تعريف مفاهيم الدولة والتنمية والسلطة في القرن الحادي والعشرين. فالصين من الداخل لا تُختزل في صورة “مصنع العالم” أو في أرقام النمو المرتفعة، بل تمثل بنية معقدة من التفاعلات بين الحزب والدولة والسوق والمجتمع، حيث تُدار القوة بهدوء وتُصاغ التحولات وفق منطق طويل النفس.
يقوم النظام الصيني على مركزية الحزب الشيوعي بوصفه القلب الناظم للدولة، لا كفاعل سياسي منفصل عنها. فالحزب لا يكتفي بتوجيه السلطة التنفيذية، بل يحدد الإطار العام للاقتصاد والمجتمع والأمن القومي. هذا التداخل العميق بين السياسة والاقتصاد منح الصين قدرة استثنائية على التخطيط الاستراتيجي والاستمرارية، ووفّر لها استقراراً نادراً في عالم يتسم بالاضطراب. وفي المقابل، تقوم شرعية هذا النموذج أقل على التعددية السياسية وأكثر على تحقيق الإنجاز المادي وتحسين شروط العيش، ما يجعل الأداء الاقتصادي عاملاً حاسماً في تماسك النظام.
اقتصادياً، شهدت الصين تحوّلاً نوعياً من نموذج قائم على العمالة الرخيصة والتصدير إلى نموذج أكثر تعقيداً يعتمد على الابتكار والتكنولوجيا والطلب الداخلي. لم تعد الدولة تكتفي بدور المنظم، بل احتفظت لنفسها بموقع الموجّه والحَكَم، بحيث تسمح للسوق بالعمل ضمن حدود واضحة لا تهدد السيطرة الاستراتيجية. هذا التوازن بين رأس المال العام والخاص أفرز شركات عملاقة تنافس عالمياً، لكنه في الوقت نفسه أبقى القرار النهائي بيد الدولة التي لا تتردد في التدخل عندما ترى أن قوة السوق باتت تتجاوز الإطار المرسوم لها.
على المستوى الاجتماعي، أفرز الصعود الاقتصادي طبقة وسطى واسعة وتطلعات متزايدة نحو الاستهلاك والاستقرار والفرص، مقابل اتساع الفوارق بين المدن الساحلية المزدهرة والمناطق الداخلية الأقل حظاً. تعاملت الدولة مع هذه المفارقة عبر خطاب قومي جامع وسياسات ضبط اجتماعي تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا والحوكمة الرقمية، إضافة إلى محاولات لإعادة توزيع جزئي للثروة تحت شعارات العدالة والازدهار المشترك. الهدف لم يكن إلغاء التفاوت، بل احتواء آثاره ومنعه من التحول إلى عامل عدم استقرار سياسي.
في هذا السياق، يصبح السلوك الخارجي للصين امتداداً منطقياً لبنيتها الداخلية. فالتوسع الاقتصادي والاستثماري في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ليس مجرد طموح جيوسياسي، بل استجابة لحاجات داخلية تتعلق بتصريف الفائض الصناعي، وتأمين الموارد، وبناء شبكات نفوذ طويلة الأمد. الصين لا تتصرف كقوة تسعى إلى فرض نموذجها بالقوة الصلبة، بل كفاعل يعتمد التراكم الاقتصادي والاختراق الهادئ، مستندة إلى منطق المصالح المتبادلة أكثر من منطق المواجهة المباشرة.
ورغم ذلك، لا تخلو التجربة الصينية من تحديات بنيوية عميقة. فالشيخوخة السكانية، وتراجع معدلات النمو، والتوتر بين الانفتاح الاقتصادي والانغلاق السياسي، إضافة إلى الضغوط الجيوسياسية الغربية، كلها عوامل تضع النموذج الصيني أمام اختبارات حاسمة. قدرة بكين على إدارة هذه التناقضات ستحدد ما إذا كانت الصين قادرة على تثبيت تجربتها كبديل عالمي مستدام، أم أنها ستصطدم بحدود مركزية السلطة وتعقيدات المجتمع الحديث.
في المحصلة، الصين من الداخل ليست قصة صعود اقتصادي فحسب، بل سردية دولة أعادت صياغة علاقتها بالسلطة والسوق والمجتمع، وقدّمت نموذجاً مختلفاً للتنمية في عالم يبحث عن بدائل. فهم الصين الحقيقي لا يبدأ من خطابها الخارجي، بل من عمق بنيتها الداخلية، حيث تُصنع القرارات بصبر، وتُدار القوة بعقل بارد، وتتشكل ملامح نظام دولي جديد على إيقاع صيني متدرّج.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى