actualite

إنسانيّة العلاقة: الإنسان قبل الهويّة، والقيمة قبل الانتماء

✍️د.عمر علي نيانغ

في زمنٍ تتراجع فيه القيم الجامعة أمام صعود المصالح الضيقة، وتُختزل فيه العلاقات الإنسانية في معادلات النفوذ والربح والخسارة، تصبح إنسانيّة العلاقة فعلًا مقاومًا بامتياز. فهي ليست مجرد تعبير أخلاقي أو نزعة عاطفية، بل موقف فكري وسلوكي يُعيد الاعتبار للإنسان بوصفه جوهر كل علاقة، وغاية كل تفاعل، قبل أي انتماء سياسي أو ديني أو ثقافي.
لقد أدّت التحولات المتسارعة في العالم المعاصر، من استقطاب سياسي حاد، وتسييس للهوية، وتسليعٍ للقيم، إلى تفكيك الروابط الإنسانية وتحويلها إلى علاقات مشروطة، تُقاس بالمواقف لا بالمبادئ، وبالانتماءات لا بالكرامة الإنسانية. وفي هذا السياق، تبرز العلاقة الإنسانية الخالصة باعتبارها النموذج الأسمى للتواصل، لأنها تقوم على الاعتراف المتبادل بالإنسان كقيمة مستقلة، لا كأداة، ولا كامتداد لجماعة أو فكرة.
ولا تنبع هذه الرؤية من فراغٍ أخلاقي أو تنظيرٍ مجرّد، بل تجد أصلها العميق في المرجعية القرآنية التي وضعت الإنسان في مركز التكريم الإلهي، كما جاء في قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾
(الإسراء: 70)
وهو تكريمٌ ربانيٌّ بامتياز، سابقٌ على كل انتماء، ومتقدّمٌ على كل تصنيف، يؤسّس لعلاقة إنسانية تقوم على الكرامة لا على الفرز، وعلى القيمة لا على الهوية.
فالعلاقة الإنسانية الحقيقية لا تبدأ بالسؤال: من أنت؟، بل بـ: كيف يمكن أن أتعامل معك بكرامة؟
ولا تُبنى على تطابق الآراء بقدر ما تُؤسَّس على احترام الاختلاف. إنها علاقة لا تشترط التوافق الفكري، ولا تُعلّق إنسانية الفرد على موقفه السياسي أو خلفيته الثقافية، بل ترى في الإنسان كيانًا كاملًا، له حق الاحترام بصرف النظر عن موقعه أو اختياراته.
وتزداد أهمية هذا النوع من العلاقات في المجتمعات التي أنهكتها الانقسامات العمودية، حيث تُستَخدم الهويات أدواتٍ للإقصاء، ويُعاد تعريف الإنسان وفق انتمائه لا وفق قيمته. وهنا تتحول إنسانية العلاقة من خيار أخلاقي إلى ضرورة اجتماعية، ومن خطابٍ نظري إلى شرطٍ أساسي للاستقرار، والتعايش، وبناء السلم المجتمعي.
إن ما يمنح العلاقة الإنسانية قوتها وصدقيتها هو تحررها من منطق المنفعة والاصطفاف. فهي علاقة تُعطي دون انتظار مقابل، وتتفهم دون حاجة إلى تبرير، وتحافظ على اتزانها حتى في لحظات التوتر والخذلان، حين تتغير المواقف وتسقط الأقنعة. وهي، في جوهرها، علاقة تُقاوم الابتذال الأخلاقي الذي يجعل الإنسان تابعًا للموقف، لا العكس.
وفي عالمٍ يتجه بوتيرة متسارعة نحو تسييس كل شيء، من الهوية إلى المشاعر، ومن الذاكرة إلى اللغة، تبدو العودة إلى الإنسان بوصفه نقطة البداية والنهاية مدخلًا أساسيًا لإعادة ترميم الثقة بين الأفراد والجماعات. فحين يُعاد الاعتبار للإنسان كغاية لا كوسيلة، يمكن بناء فضاء عام أكثر توازنًا، وأكثر قدرة على إدارة الاختلاف دون عنف، والتنوع دون إقصاء.
إن إنسانية العلاقة ليست شعارًا مثاليًا معزولًا عن الواقع، بل قاعدة صلبة لأي مشروع اجتماعي أو ثقافي أو سياسي قابل للحياة. فلا يمكن لمجتمع أن يكون مستقرًا أو عادلًا ما لم تُبنَ علاقاته على احترام الإنسان، لا على تصنيفه. ولا يمكن لأي خطاب إصلاحي أن ينجح إذا لم ينطلق من الإنسان كقيمة عليا، لا كأداة، ولا كرقم، ولا كورقة ضغط.
فالإنسان، قبل كل شيء، يستحق أن يُرى، وأن يُسمَع، وأن يُعامل بوصفه إنسانًا.
وإعادة الاعتبار للعلاقات الإنسانية ليست ترفًا فكريًا، بل حاجة ملحّة في عالمٍ أنهكته الصراعات والهويات المتنازعة. فحين نُعيد الإنسان إلى مركز العلاقة، نكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لبناء مجتمع أكثر عدلًا، وأكثر رحمة، وأكثر قابلية للحياة والاستمرار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى