
أوروبا وأفريقيا: من إرث التاريخ إلى معادلة الشراكة الاقتصادية
د. عمر ع عيسى نيانغ
حين تلتقي ضفاف البحر الأبيض المتوسط بعمق القارة الأفريقية، لا تُختزل العلاقة بين أوروبا وأفريقيا في الجغرافيا المشتركة أو في إرث تاريخي معقّد، بل تتحول إلى سؤال استراتيجي مركزي: كيف يمكن تجاوز ماضٍ مثقل بالتوترات لبناء مستقبل قائم على شراكة اقتصادية حقيقية، متوازنة، ومستدامة؟ وكيف تنتقل هذه العلاقة من منطق المساعدات والهبات إلى منطق المصالح المتبادلة والتنمية المشتركة؟
شهدت السنوات الأخيرة تحوّلًا لافتًا في المقاربة الأوروبية تجاه أفريقيا. فلم تعد القارة تُقدَّم بوصفها فضاءً للمساعدات المشروطة أو ساحة نفوذ تقليدية، بل شريكًا محوريًا في قضايا الاقتصاد العالمي، والطاقة، والانتقال الأخضر، والرقمنة، والاستقرار الإقليمي. ويبرز هذا التحول بوضوح في المبادرات الأوروبية الجديدة التي تركز على الاستثمار طويل الأمد، وبناء البنية التحتية، ودعم القطاع الخاص، وتعزيز قدرات الشباب ورواد الأعمال.
غير أن جوهر التحدي لا يكمن في حجم البرامج أو الأرقام المعلنة، بل في القدرة على ترجمة النوايا السياسية إلى نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين، وفي توفر الإرادة المؤسسية والسيادية لدى الطرفين لضمان شراكة عادلة ومستدامة.
🔹 من منطق المانح إلى منطق الشريك
ما يميز المرحلة الراهنة هو هذا التحول النوعي في الخطاب والسياسات الأوروبية: من دور المانح التقليدي إلى دور الشريك الاقتصادي والاستراتيجي. فقد بات التركيز موجّهًا نحو مشاريع هيكلية، خاصة في مجالات الطاقة النظيفة والربط الإقليمي، بما يعزز التكامل الاقتصادي ويخلق فرصًا تتجاوز الحدود الوطنية نحو السوق القارية والعالمية.
كما يعكس دعم برامج تمكين الشباب وريادة الأعمال تحوّلًا مفاهيميًا عميقًا: من بناء الهياكل إلى بناء القدرات، من دعم الاستهلاك إلى تمويل الإنتاج، ومن نقل المعرفة نظريًا إلى خلق منظومات ابتكار محلية قادرة على الاستمرار والتطور.
🔹 ماذا تريد أفريقيا؟
في المقابل، لا يمكن إغفال التحديات البنيوية التي تواجهها القارة الأفريقية، من ضعف البنية التحتية للنقل والطاقة، إلى تفاوت الأطر القانونية والتجارية، مرورًا بالتحديات الأمنية ومحدودية الحوكمة في بعض السياقات. ومن هنا، لا يكفي أن تمد أوروبا يدها بالشراكات والاستثمارات، ما لم تمتلك أفريقيا أجندتها السيادية الواضحة، وتتعامل من موقع الشريك الفاعل لا الطرف المتلقي.
إن المطلوب من القيادات الأفريقية هو تعزيز التكامل القاري، وبناء مؤسسات قوية قادرة على التفاوض والمساءلة، وفرض شراكات عادلة تضمن نقل التكنولوجيا، وحماية الموارد، وتوطين فرص العمل والمعرفة، بدل الاكتفاء بمشاريع ظاهرها تنموي وباطنها إعادة إنتاج أنماط استنزاف غير مباشرة.
🔹 المصالح المتبادلة لا الاستغلال الجديد
لا يمكن إنكار أن أوروبا تتحرك أيضًا بدوافع استراتيجية واضحة، من بينها ضبط الهجرة، وتأمين الطاقة، والبحث عن أسواق جديدة، وموازنة النفوذ الدولي المتصاعد لقوى أخرى. غير أن هذه الدوافع لا تُفقد الشراكة معناها، إذا ما أُطّرت ضمن إطار مصالح متبادلة، قائم على الشفافية، والاحترام المتبادل، وتكافؤ الفرص.
فأفريقيا اليوم لم تعد هامشًا في النظام الدولي، بل تمثل إحدى ركائز المستقبل العالمي، بثرواتها الطبيعية، وطاقتها البشرية، وثقلها الديمغرافي، وطموحاتها المتصاعدة في عالم متعدد الأقطاب. وإذا أرادت أوروبا أن تكون شريكًا حقيقيًا في هذا المستقبل، فعليها أن تدعم الاستقلال الاقتصادي الأفريقي، وأن تفتح أسواقها أمام المنتجات الأفريقية كما تفتحها أمام استثماراتها.
🔹 نحو قمة مختلفة بالفعل
القمة المرتقبة بين الاتحادين الأوروبي والأفريقي تشكل محطة مفصلية لإعادة تعريف أسس التعاون بين القارتين. فهي ليست مجرد لقاء بروتوكولي، بل فرصة حقيقية لاختبار مدى الجدية في الانتقال من الخطاب السياسي إلى الالتزامات التنفيذية.
وتُطرح في هذا السياق أسئلة جوهرية، من بينها:
ما هي الضمانات العملية لتحويل الاستثمارات المعلنة إلى نتائج تنموية ملموسة؟
كيف يمكن دعم الانتقال الرقمي والطاقي في أفريقيا دون تعميق أعباء الديون؟
إلى أي مدى يوجد التزام فعلي بتوطين التكنولوجيا وتعزيز فرص التشغيل المحلي؟
وكيف يمكن إرساء آليات رقابة وتقييم مشتركة تضمن النزاهة والعدالة في تنفيذ المشاريع؟
إن مستقبل العلاقات الأوروبية–الأفريقية لا يُكتب فقط في غرف المؤتمرات أو مراكز القرار، بل في القرى التي تنتظر الكهرباء، والمدارس التي تحتاج إلى اتصال رقمي، والموانئ التي تطمح إلى الاندماج في الاقتصاد العالمي، والعقول الشابة التي تبحث عن فرص حقيقية داخل أوطانها.
ومن هنا، فإن بناء شراكة حقيقية بين القارتين لا يكون بتبادل البيانات والصور، بل بتبادل المصالح، والاعتراف المتكافئ، والإيمان العميق بأن أفريقيا ليست امتدادًا لأوروبا، بل شريكًا كامل السيادة في صياغة مستقبل العالم.



