Articles

◾ «مجلس السلام»… كسر للجمود أم تقنين لنظام دولي موازٍ ؟

عمر علي نيانغ

في سياق دولي يتّسم باضطراب غير مسبوق، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في يناير/كانون الثاني 2026، عن إنشاء كيان جديد أُطلق عليه اسم «مجلس السلام»، بوصفه مبادرة تهدف – وفق الخطاب الرسمي – إلى إدارة النزاعات الدولية، بدءًا من الحرب الدائرة في غزة. غير أنّ هذه الخطوة سرعان ما تجاوزت بعدها الإنساني، لتثير نقاشًا واسعًا حول شرعيتها، ودلالاتها السياسية، وانعكاساتها المحتملة على بنية النظام الدولي القائم.
جاء الإعلان في ظل استمرار العدوان على غزة، وتراجع الثقة في فعالية الأمم المتحدة ومجلس الأمن، إلى جانب تصاعد النزعات الأحادية في السياسة الدولية. وفي هذا الإطار، بدا «مجلس السلام» محاولة لطرح آلية بديلة، أكثر مرونة وأقل تقيّدًا بالإجراءات البيروقراطية، وقادرة – نظريًا – على تجاوز حالة الشلل التي تعانيها المؤسسات الدولية التقليدية. غير أن التحوّل السريع للمبادرة من إطار إنساني إلى مشروع ذي أبعاد جيوسياسية واضحة، فتح الباب أمام مخاوف جدية من تحوّله إلى كيان موازٍ، لا مكمّلًا، للنظام الدولي.
يعتمد المجلس على ميثاق خاص خارج منظومة الأمم المتحدة، ويمنح رئيسه دورًا محوريًا وصلاحيات واسعة في التوجيه، وتحديد الأولويات، وضبط العضوية. كما يقوم على نموذج تمويلي مشروط بمساهمات مالية مرتفعة، ما يربط النفوذ السياسي بالقدرة المالية، ويثير تساؤلات جوهرية حول عدالة التمثيل، واستقلالية القرار، ومبدأ المساواة بين الدول. ورغم ما توفره هذه البنية من سرعة في التحرك واتخاذ القرار، فإنها تضع المجلس في منطقة قانونية رمادية، وتضعف أسس شرعيته الدولية.
في المقابل، لا يمكن إغفال عناصر القوة التي يسوّق بها المجلس نفسه. فهو يُقدَّم كآلية أكثر مرونة من مجلس الأمن، ويحظى باهتمام دول في الشرق الأوسط وآسيا ترى فيه فرصة عملية للتحرك خارج الهيمنة الغربية التقليدية. كما أن تركيزه على مرحلة ما بعد النزاع، ولا سيما إعادة الإعمار، يجعله جذابًا لدول تبحث عن نتائج ملموسة بدل الاكتفاء بالخطابات والبيانات السياسية.
مع ذلك، تظل نقاط الضعف البنيوية حاضرة بقوة. فشخصنة القيادة، وربط مصير المجلس بشخصية سياسية مثيرة للجدل مثل دونالد ترامب، يعزّز المخاوف من تسييسه واستخدامه أداةً لخدمة أجندات خاصة. كما أن شرط العضوية المالية يكرّس إقصاء الدول الأضعف، ويقوّض مبدأ التكافؤ السيادي. وإلى جانب ذلك، ترى عدة دول أوروبية أن المجلس يمثّل التفافًا على الأمم المتحدة بدل أن يكون مسارًا لإصلاحها.
وقد عكست المواقف الدولية هذا الانقسام بوضوح. فبينما أبدت بعض الدول العربية والآسيوية انفتاحًا حذرًا تجاه الفكرة، رفضت دول أوروبية رئيسية الانخراط فيها، في حين فضّلت قوى كبرى مثل الصين وروسيا وبريطانيا الترقّب والمراقبة دون مشاركة مباشرة. أما إسرائيل، فقد تعاملت مع المجلس بدعم مشروط، معتبرة أنه قد يخفف عنها الضغوط الدولية، لكنها شدّدت في المقابل على أولوية اعتبارات أمنها، ورفضت أي دور تركي داخل المجلس، خشية منح أنقرة نفوذًا إقليميًا يتعارض مع مصالحها.
في الخلاصة، لا يبدو «مجلس السلام» مبادرة إنسانية خالصة، بقدر ما يعكس تحوّلًا في المقاربة الأميركية لإدارة النزاعات الدولية، يقوم على المرونة والتمويل خارج الأطر المؤسسية التقليدية، مقابل إشكاليات عميقة تتعلق بالشرعية، والحوكمة، والتمثيل. وبين من يراه فرصة لكسر الجمود الدولي، ومن يعتبره خطوة نحو شرعنة نظام موازٍ، يظل مستقبله مرهونًا بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة على الأرض، لا بالاكتفاء بالشعارات والنوايا المعلنة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى