
كونغاني… حين يُزهر العلم ويثمر الوفاء
في مدينة كونغاني، تلك الحاضرة العلمية العتيقة التي اعتادت أن تُنبت العلماء كما تُنبت الأرض الطيبة زرعها، كان للفرح هذا العام نكهة خاصة، وللاحتفاء معنى أعمق. فقد عاد إليها ابناها البارّان، والشقيقان العالمان، الدكتور محمد صمب جاخووالدكتور يعقوب صمب جاخو، وهما يحملان ثمرة أعوام طويلة من الصبر والمكابدة، بعد نيلهما درجة الدكتوراه من جامعة الملك سعود بالرياض.
عرفتُ هذين العلمين عن قرب، وسرتُ معهما في دروب طلب العلم في المملكة العربية السعودية سنين عدداً، ثم شاء الله أن تجمعنا اليوم ساحات الدعوة والعمل العلمي في السنغال، وفي الفضاء السوننكيعلى وجه الخصوص. وقد أسبغ الله عليهما توفيقاً جليلاً، فكانا أول من خطّ اسمه بدرجة الدكتوراه في العلوم الإسلامية والعربية في مدينة كونغاني، فاستحقّا الفخر، واستوجبا الاحتفاء.
أما الدكتور محمد، وهو الأخ الأكبر، فقصة علمه لا تنفصل عن قصة وفائه. إذ تحمّل مسؤولية رعاية إخوته بعد فقدان والدهم وهم في مقتبل العمر، فآثرهم على نفسه، وحمل عنهم أثقال الحياة، في زمن كان هو أحوج ما يكون فيه إلى من يحمل عنه. فكان طبيعياً أن يتأخر مشواره الأكاديمي، حتى شاء الله أن تُتوَّج رحلته العلمية بنيل الدكتوراه في أواخر عام 2025، تأكيداً لقاعدة لا تخيب: أن ما تأخر لسبب كريم لا يضيع.

وقد عاد اليوم إلى وطنه، لا ليستريح، بل ليواصل البذل؛ فهو صاحب فكرة جمعية الأيتام الكبرى في سبيخوتان، التي ترعى أكثر من مئتي يتيم، يحفظون كتاب الله منذ عام 2021، كما يشرف على مؤسسة ابن مسعود لتحفيظ القرآن الكريم، ويتولى مهام رئاسة لرابطة علماء ودعاة سوننكرا.
وأما الدكتور يعقوب، المتخصص في علم الحديث، فهو صورة للعالم الذي يسبق خُلُقه علمه، وتزكّيه معاملته قبل شهاداته؛ نموذج في التواضع، وحسن الصحبة، وروح التعاون. وكما قيل قديماً: الطيب لا يُستغرب من معدنه.
وقبل أن تُسدل هذه الكلمات ستارها، لا يليق إلا أن يُذكر شقيق ثالث من هذه الأسرة المباركة، هو الشيخ برنتي جاخو، ذلك الذكاء الوقّاد الذي لم يُقدَّر له إكمال دراسته الجامعية في الجامعة الأفريقية العالمية بالسودان، غير أن العلم إذا سكن القلب لم تحجبه الشهادات. فقد ظل شخصية فريدة في قدراته ومهاراته العلمية، وهو اليوم يشرف على معهد الحفظ في بتي امباو، مؤدياً رسالة لا تقل شأناً ولا أثراً.
إنها أسرة اختارها الله لحمل لواء العلم والخير، فجمع لها بين النبوغ، والوفاء، وخدمة القرآن.
نسأل الله أن يبارك فيها، وأن يجعل علمها نوراً، وعملها نفعاً، وأثرها باقياً في الأمة الإسلامية.
كتبه د. إبراهيم جكيتي
دكار 08/02/26



