actualite

قصة: الحلم المكسور..!!

الكاتب: موسى نيانغ

أمّاه، أمّاه،لابدّ أن نقتني تلفزيونا ولو صغيرا في البيت. لابدّ أن نقتني تلفزيونا ولو صغيرا في البيت.

بهذه الكلمات خاطب الطّفل “دمب” أمّه “بند”، وهو يقفز عتبة البيت ويحثّ الخطى إلى الكوخ بعد جلسة لعب مع رفقائه في ساحة القرية، بالقرب من مسكنه الذي يتكوّن من كوخ من القشّ منتصب ببساطة وسط ساحة كبيرة لا تعدو مساحته بضعة أمتار. في هذا المكان الضّيّق يتزاحم ” دمب” ووالداه مع أكداس الأكياس والبراميل والأواني المبعثرة في زوايا الكوخ الذي بسط عليه الدهر أسماله.

  • خذ قنّينة الماء واغسل يديك بالماء والصّابون يا ولدي الحبيب. ولا تنس أنّ جائحة كورونا لا يزال يفتك بالنّاس، فقد لطّخت  يديك  وثيابك وكمامتك. لقد نهيتك مرارا عن اللّعب في التّراب. ثم ناولني كمامتك القماشيّة لأغسلها وأجففّها تحت الشّمس. حتى تتمكّن من لبسها غدا عندما تذهب إلى المدرسة.
  • لا، يا أمّاه، لا أذهب غدا إلى المدرسة. اسمحي لي أن أغسل يديّ وأشرح لك.

أخذ ” دمب” القنّينة وتنحّى قليلا في زاوية من ساحة البيت وهو يبطئ الخطى كأنه يمشي على الرمضاء حتى لا تطأ قدماه مدقّات الطّحين وأغطية الأواني وأعواد المكانس وخرق الثياب وقطع الأحذية المتناثرة على طول ساحة البيت لترسم للزائر ديكور الرّيف وحياة البؤس وجحيم الفقر الذي تقبع فيه أسرته.

  • الآن، وبعد أن غسلت يديك بالماء والصّابون واحترزت  من هذ ا الفيروس  القاسي والعنيد –  أعاذنا الله منه-  تعال واشرح لي  ياعزيزي، لماذا يجب أن نقتني تلفزيونا؟ ولماذا هذا الإصرار على الطّلب؟ ولماذا لا تذهب غدا إلى المدرسة؟ قل لي:
  • لقد قرّرت الحكومة إغلاق المدارس لفترة  انطلاقا من يوم غد لوقاية التلاميذ وأسرهم من جائحة  كورونا.
  • الحكومة محقّة، فقد بدأ هذ المرض يحيّر الإنسانية، فقيرها وغنيّها، كريمها وبائسها، سودها وبيضها، شرقها وغربها. حقّا إنّه شرع  يعيث في البلاد الفساد  ويسيم العباد النكال ويبيد العجزة والمصابين بالأمراض المزمنة.
  • ولكن ماعلاقة إغلاق المدارس باقتناء تلفزيون في البيت؟ أتريد أن تنتهز فرصة عدم الذهاب إلى المدرسة  للّهو ومشاهدة الأفلام والمسلسلات وبرامج الأطفال؟ أراك الآن تفضل اللّعب على الدراسة؟
  • كلّا يا أمّاه. إنّ خبر إغلاق المدارس أحزنني كثيرا وأقلقني طويلا وجعلني لا أشتهي الطعام ولا الشراب. فأنا تلميذ في الصف السادس الابتدائي. وسأجلس لامتحان الشهادة الابتدائية بعد شهور فقط. و لكن الذي يخفف الحزن  عني  ويحدّ من  وقع الخبر عليّ هو قرار الحكومة في نفس الوقت مواصلة التعليم عن بعد بالنسبة للتلاميذ في صفوف الامتحان، وذلك عبر قناة تلفزيونية مخصصة للتربية تبث دروسها وبرامجها على مدار النهار والليل.

هزّت الأمّ رأسها وتنهّدت، وقالت بصوت متهدّج، وهي تختنق من الأسى و تحترق من شرارة العجزعن  تحقيق أحلام ابنه الطموح.

  • الآن فهمت يا ولدي لماذا تريد أن نقتني تلفزيونا في البيت. لقد عهدتك تلميذا مجتهدا مثابرا على الدروس. وحلمك دائما هو النّجاح في امتحانات الشهادة الابتدائية والإعدادية والثانوية والالتحاق بكلية الهندسة، لتتخرج مهندسا وتغيّر من حالتنا.
  • أجل يا أمّي، فأنت التي غرست فيّ الطموح  وعلمتني المثابرة.
  • –         نحن أسرة فقيرة، فأبوك فلّاح لا يكاد يجد من حرثه ما يكفي لإعالتنا. وأنا بائعة فستق. ولكن مهما يكن من أمر، سأحقق مرادك. لن تغيب عن الدروس في التلفزيون بإذن الله.
  • إرادتك الحديدية تثبّت عزائمي  وإصرارك على تحدّي الصّعاب يوطّد طموحاتي. ولكن أين  لك يا أمّي أن تجدي هذا المبلغ الباهظ لشراء جهاز تلفزيون.
  • أبشر يا ولدي. أمنياتك حداء لركب كفاحي ونجاحك في الدراسة رمز خلودي.

تناولت الأم خمارها بعزم وربطت رأسها ربطا قويا يعبّر عن مدى إصرارها ومنتهى كبريائها. ثم توجهت إلى بيت جارتها “أست” بخطى ثابتة وكأنها قائد جيش يتأهب للهجوم على العدوّ.

وجدت ” بند”  جارتها في وسط بيتها تحت لفح الشمس الحارقة وهي تتصبب عرقا من شدة الحرارتين، حرارة الشمس وحرارة البخار المنبثق من حزمة الحطب المتوهجة تحت قدر تصبّغ باللون الأسود وكأنه مطلي با لإسفلت من طول وضعه على النار.

  • السلام عليكم يا جارتي الطيبة “أست”
  • وعليكم السلام يا صديقتي “بند” أرجو أن يكون خيرا. ما حاجتك في هذ الوقت من الظهيرة تحت هذا السعير المذيب. لا شكّ  أن حاجتك عاجلة.
  • نعم، حاجتي عاجلة وماسّة جدّا. لا بدّ أن أشتري تلفزيونا لكي يتمكن ابني  “دمب” من متابعة الدروس عبر التلفزيون. أريد أن أكون من يستلم مبلغ تعاونية نساء القرية في هذا الشهر. كنت أودّ أن أشتري به فراشا، فقد جمدت الدّماء في أضلاعنا من كثرة الرقود على الأرض، ولكن نجاح ابني في الدراسة أو لى من نعمة الهجوع على الفراش الناعم.
  • أشاطرك أولويتك واهتمامك بنجاح ابنك. فأولادنا فلذات أكبادنا وقيمة وجودنا. فنجاحهم نجاح لنا. سألبّي طلبك أن شاء الله وأسلّم إليك المبلغ يوم السبت .

حاولت أمّ “دمب” استجماع  قواها المنهوكة وأطلقت العنان لأنفاسها المحبوسة لتخرج زفيرا مدويا اجتاح سكون القرية المعهود، وهي تقول:

  • الحمد لله على الموافقة،  سأحقق حلم ابني، سيتابع الدروس في التلفزيون.

رجعت أمّ  “دمب”  إلى بيتها وهي تمشي الهوينا، مشية المتبختر الظافر، وهي تترقب يوم السبت  بفارغ الصبر وقلبها ينبض على أحرّ من الجمر . وعند الاقتراب من بيتها شاهدت ابنها دمب وهو جاث على عتبة البيت ينتظر الخبر الذي ستأتي به أمّها.

  • أبشر يا ولدي، سنجتمع مع أبيك أمام شاشة تلفزيون انطلاقا من يوم السّبت بإذن الله.

وثب “دمب” على أمّها من شدة الفرح وبدأ يقبّل يديها و يقول:  شكرا يا أمّي، شكرا يا ماما…

وفي اليوم الموعود استيقظت أمّ “دمب” مبكّرا واستيقظ معها ابنها. فلم يغمض لهما جفن. لقد أرخى عليهما الليل سدوله ليبتليهما  بالأرق والانتظار الطويل. وكان لسان حال الأمّ  تقول:

ألا أيّها اللّيل الطويل ألا انجل            بصبح وما الإصباح منك بأمثل

وبعد الصلاة  وتناول الفطور، ذهبت “بند” مع ابنها “دمب” إلى  بيت  جارتها  “أست” و بوارق الأمل تنسج خيوط البشر والحبور  بين قسمات وجهيهما. استلمت “بند” المبلغ  من يد جارتها ووضعته بكل عناية في كيس من القماش وأودعته في نطاقها الذي ربطته حول كشحها المترهّل من شدة الضمور،  حفظا لمالها من بطش المعتدين  واحتيال المحتالين المنتشرين    كا لقطط الجائعة و التائهة في شوارع المدينة.

 توجهت “بند” إلى المدينة واشترت جهاز تلفزيون مع مستلزماته بعد تجوال مستمرّ كاد أن يفتّ في ساقها ومساومة طويلة مع أصحاب المحلات.

ثمّ عادت مع ابنها إلى القرية، والغبطة تجثم على كيانهما والبهجة تغزو محيّاهما. استدعى  أبو “دمب” شابّا يدرس في الجامعة جاء لأوّل مرّة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في القرية، فركّب لهما جهاز التلفزيون في زاوية من الكوخ على كيس  من الخشب  قديم.

  • الآن  تمّ تركيب كلّ شيء و لم يبق  إلا توصيل الجهاز إلى مصدر كهرباء  أو إلى بطاريّة.

كانت هذه الكلمات بمثابة قنبلة موقوتة انفجرت فجأة لتعكّر صفو الجوّ المرح وتبدّد أحلام طفل ناهض وطموح، وآمال أمّ  فارسة ومكافحة؛ لا ذنب لهما سوى السّكن في قرية  لم يتمتع أهلها بالطاقة الكهربائية قطّ، رغم سماعهم بعجائب استخداماتها في المدينة.

  • سامحيني يا بنيّ – لا ردّ الله لك سؤالا- لقد نسيت تماما أنّ الجهاز يحتاج إلى الكهرباء أو بطارية سيّارة  لتشغيله. الآن ليس لنا سبيل إلى الكهرباء – رغم أنّ السّياسيّين يعدوننا منذ عشرين سنة بتوفير الكهرباء للقرية في كل حملة انتخابات- ولكن سأعمل المستحيل لأوفّر بطاريّة. أمهلني فترة أخرى يا ثمرة فؤادي حتى أجمع مبلغ البطارية من تجارتي بالفستق.

وقعت هذه الكلمات  كالصّدمة على “دمب”، فلم يتمالك نفسه وأجهش بالبكاء، وهو يقول بصوت تخنقه العبرات وتحبسه الزفرات:

متى سأشاهد الدروس في التلفزيون مثل رفقائي في هذا الظّرف من تسلّط جائحة كورونا ؟ هل سأنجح في الامتحان؟ أليس لأطفال القرية حقّ – مثل زملاءهم في المدينة-  في متابعة  التعليم عن بعد عبر التلفزيون؟ أليس…؟ أليس، أليس…؟ .

،مفتش التعليم العربي و القرآني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى