Articles

في ظلال الحروف


الكاتب والشاعر الموريتاني: المختار السالم

ذات مرة؛ استيقظ المراهقُ “الدَّمَّـلكاوي”، نسبة إلى حي “دَمَلْ دِكْ”، منتصف الضحى كعادته. نظر حولهَ بحثاً عن بقيةِ “الأقمارِ المظلمةِ”، الآفلةِ في السريرِ من حولهِ.. كانَ رفاقُهِ في شلة “الأقمار المظلمةِ” من أشهرِ المجموعاتِ الثقافية في “الحي الشعبي” المعروش.
سارع الخطو نحوَ محطة باص الساعة العاشرة، كان يوم أستاذ اللغة. ذلك الرجل الطويل النحيل، المميز بتسريحةِ شعرهِ المخالفةِ لذائقة الريفيينَ.
كان أستاذا دائم التغني بصدام حسين و”تشي غيفارا” و”هوشي منه”، كان يرى في سيجارة كاسترو راجمة صواريخ، وفي كوفية ياسر عرفات روحا معطرة بأريجِ زهرةِ المدائنِ، كانت نظرة أبو جهاد متطابقة، في عينيه، مع إلياذات سميح القاسم ودرويش وعز الدين المناصرة.
وصلَ متأخراً لا يعرف هل سيفوز بيانصيب إيماءة الدخول. فيتغمدُ عذرُهُ سيفَ الطرد أم لا. “متى صحوت؟”. “الآن أستاذي”. “هذا حالك ونحن نحمد الله أننا في مدينة بلا حانة ولا خمر… فكيف كان سيكون أمركَ لو أنكَ ولدت مثلا في عاصمة ما وراء البحارِ!؟”. “ما كنت لأخضع لاختبار عن اللغة في شعر الصعاليك”. “جيد.. بماذا جئتنا اليوم؟”.. “ليس طويلاً.. إنشاء حفظتهُ عن ظهر قلب”.. “لا تكذب أيها الصعلوك الفقير.. لا تملك ثمن دفتر وقلم.. هذا ليسَ عيبا..”. “أستاذي.. في الفصل بنات”. “هيَّا اقرأ إنشاءكَ فتلميذاتي لسن سيئاتِ الحظِّ”… قالت التي بيدها الحِنَّاء: “لا تسمع منه، جاء ليشوِّش، هو مشاكس خليع، ماجن ومجنون”.. قلت: “هذه أطيب صفاتي. ستر الله عيوبي، لا إثم عليك من “شحوب الحق بجسمي”.. ما تنكرتُ يوما لآدميتي.. النقيصَةُ رأسمالي، وأنت أيتها التلميذةُ لغةً، الأستاذة تشكيلاً، ما أرى “الهذليَّ” ليكيلَ “دم إخوته” بألوانِ الشفقِ في ملحفتكِ..”.
تحجرت شفتا الأستاذ وهو يقول: “هيَّا اقرأ إنشاءكَ”.. قلتُ: “لتسكت عنيِّ “بنت شعواء” لأسترجع ذاكرتي..”.
ثمَّ أسمعتهُ “.. في المدينةِ شاعرٌ يريدُ أن توجدَ لغة جديدة.. يريد أن تجدد اللغةُ دمَها وتُسنِّـنَ أظافرها، وتكسوَّ عظامها وجلدها الذي كشطَته القواميس.. هو متمرد شغوف.. دمعهُ “بصيلِ”، نسبَة إلى البصلِ، لكنَّ حرفه “بطيس”.. يريدُ لغةً تحثو من الريشِ على الصخر فيتجنح حتى “يُـبَلبـِلَ”. همَّتُهُ ومهمَّتُهُ لا تذوبانِ في أضغاثِ النفسِ.. يريدُ أن تغترف نجوم الليلِ من ضيائها في الأوردةِ الثيب فلا تخشى ملوكَ النحوِ وسلاطينِهِ.. إمَّا أنْ يشرب من مرقٍ بصيلٍ وإما أن “يحملَ عليه الملح”، وتلك لعمري خزينة “ياءات” و”واوات” مفقوءة أوزعها سِفْـرٌ الـمسافاتِ في رواقِ الفقاعاتِ.. اللغة يا أستاذي كائن روحيٌّ لا يقبل “التخشب” على المنكبِ.. ومن “يُعَـنْكِبُ هذا المنكب” يفتعلُ ذلك باسمِ القاموسِ الشعريِّ الفولاذيِّ الذي لا يزهرُ الشراراتِ قدحاً ونفحاً.
أيُّ لغة لموسم الظلمةِ في مفازةِ الدخان!
جاء الليلُ لتشرقَ الانطفاءاتُ أرواحَها المُعذبَةَ بينَ أفعالٍ لم تُرقَّمْ، وأسماءٍ لم تُنوَّنْ، وأحرفٍ لم ترسنْ.. لتلحظْ فضيلَـتَـكَ أنَّ لغةَ الشعر حرة لا تَتَـقيدُ ولا تُـقـيَّـدُ مهما اكتسحَ الوثنُ مساحةَ المناورة بين اللب وقشرتهِ.
الناقد الريفيّ، وصيّ المسار الـمُطوَّبِ بعقيدةِ وعقدةِ التراجعِ.. وإنَّ الرضى عن وجوده بمثابة الاحتفال بـ”ولادة مقصلة”.
اللغةُ المتجمدَةُ تمثلُ ذروةَ النسيانِ المتهافتِ..
سوف أعيد الثمار غيماً، والليلةَ فجراً، وأدمع الينابيع نهراً، وأغوي المرايا حتى تتشبهُ بالرائحة البيضاء، سأختطُّ سبيلي في البحرِ موج بركان، فإنها لا تتحرك قبل أن “يفور”.. قد تطفئُ الرمضاءُ تيهَ الخُطى، ويعبرَ من شيَّدَتِ النارُ جسورَهُ.
المفردَة المرمَّدة هي نبيذ النصِّ الآتي من ثمرةِ المعنى والعائد إلى المعنى..
بحّتْ خطايَّ بالمنزلقِ، وقد أبلغتُكَ أنَّ العلةَ بالقدم لا في النعلِ.
هل فهمتَ يا أستاذي.. أم أنك ما تزال “ناسك النسيانِ”.. تلميذاتك حسنات الحظِّ عكس اللغةِ الـمُغبرة من ندرةِ الكَـرّ”.


تنشر كل ثلاثاء في صحيفة “الشعب”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫49 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى