
القهوة الإثيوبية… أصل الحكاية وذاكرة النكهة
✍️عمر علي نيانغ
ليست القهوة الإثيوبية مجرد مشروبٍ يُحتسى، بل إرثٌ إنساني ضارب في عمق التاريخ، وذوقٌ استثنائي وُلد من رحم الطبيعة والزمان. من أرضها انطلقت أولى الحبوب، ومنها تعلّم العالم كيف تُصنع القهوة بمعناها الحقيقي: نكهة، وطقس، وهوية.
القهوة الإثيوبية ليست مجرد مشروبٍ دافئ، بل ذاكرة حضارية ممتدة عبر القرون، ومرآة لهويةٍ تشكّلت بين الأرض والإنسان والزمان. في إثيوبيا، حيث وُلدت شجرة البن الأولى، لم تكن القهوة اكتشافًا عابرًا، بل قدرًا كُتب لهذه الأرض أن تهديه للعالم. من هناك بدأت القصة، صافية وبِكرًا، قبل أن تعرف القهوة طرق التجارة والأسواق العالمية والأسماء اللامعة.
في أعماق المرتفعات، تنمو أشجار البن في بيئتها الطبيعية، دون استعجال، محاطة بالغابات والضباب والأمطار الموسمية. هذا النمو البطيء يمنح الحبوب تعقيدًا نادرًا؛ نكهات متعددة الطبقات، تبدأ بعطرٍ زهري رقيق، يليه إشراق حمضي متوازن، ثم ختام ناعم يحمل أثر الفاكهة أو العسل أو الشاي. كل منطقة، بل كل مزرعة، تترك بصمتها الخاصة، وكأن القهوة هناك توقيع أرض لا يُزوَّر.
ولا تكمن عراقة القهوة الإثيوبية في مذاقها وحده، بل في طقوسها. طقس القهوة هو احتفال بالحياة: تحميص الحبوب أمام الضيوف، تصاعد الرائحة كدعوة صامتة، طحنٌ يدوي يحمل إيقاع الصبر، وغليٌ بطيء يعلّم احترام الوقت. تُقدَّم القهوة في أكثر من جولة، لأن المعنى لا يُقال دفعة واحدة، بل يُتذوَّق على مهل.
في الثقافة الإثيوبية، القهوة رمزٌ للسلام والحوار وجمع القلوب. تُحضَّر في لحظات الفرح، وتُقدَّم في أوقات الصلح، وترافق الحديث العميق كما ترافق الصمت المتأمل. فنجان القهوة هنا ليس نهاية تعبٍ، بل بداية علاقة.
لهذا، حين تُذكَر القهوة الإثيوبية، فإننا لا نتحدث عن جودةٍ عالية فحسب، بل عن أصلٍ نقي، وتاريخٍ لم ينقطع، وذوقٍ لم يتنازل عن صدقه. إنها القهوة التي لم تُصمَّم لإرضاء الجميع، بل وُلدت لتكون نفسها: عميقة، أصيلة، وصادقة.
القهوة الإثيوبية هي حكاية الزمن حين كان يُقاس بالمعنى لا بالثواني، ونكهة العالم قبل أن يتعلّم الاستعجال.
إنها القهوة… حين تكون القهوة أكثر من قهوة.



