
الدوحة والساحل: حين تلتقي الشرعية بالفعالية في صناعة السلام
بقلم: الدكتور بكاري سامب رئيس ومؤسس معهد تمبكتو – المركز الأفريقي لدراسات السلام
في شهر أبريل من عام 2025، ومن منصة منتدى الأمن العالمي في الدوحة، أطلقتُ نداءً استشرافياً نابعاً من قراءة دقيقة للتحولات الجيوسياسية المتسارعة، حيث أكدتُ حينها أن استقرار منطقة الساحل الأفريقي قد يتطلب بروز وسيط استثنائي يجمع بين القوة الناعمة، والفهم العميق للهوية، والقدرة المثبتة على اختراق الجمود الدبلوماسي. واليوم، ومع تزايد تعقيد المشهد في دول الساحل، يبدو أن دولة قطر بإمكانها أن تكون الطرف المؤهل بامتياز لملء هذا الفراغ ولعب دور المحرك الأساسي لقطار السلام في المنطقة.
إن السياسة الخارجية القطرية، التي لم تكن يوماً طرفاً في النزاعات بل “غرفة مفتوحة” للحوار، من شأنها أن توفر منصة مثالية للفرقاء في الساحل حين تُوصد كافة الأبواب. فنجاحات الدوحة التاريخية، سواء في الملف الأفغاني أو في الوساطة بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، يمكن أن تشكل نموذجاً ملهماً وقابلاً للتطبيق في سياقنا الأفريقي. هذا النجاح لا يرتكز على الإرادة السياسية فحسب، بل على منظومة متكاملة من “الدبلوماسية المعرفية”؛ إذ من المتوقع أن يساهم توظيف أدوات مثل الأكاديمية الدولية للدراسات الأمنية ومركز دراسات النزاع والعمل الإنساني في تقديم مقاربات علمية رصينة تربط بين استدامة السلام وبين العمل الإغاثي والتنموي، مما قد يمنح أي وساطة قطرية مستقبلاً عمقاً تحليلياً يفتقر إليه الكثير من الفاعلين التقليديين.
وما قد يجعل التدخل القطري المُرتجى في أزمات الساحل (مالي، النيجر، بوركينا فاسو) ذا أهمية بالغة، هو امتلاك الدوحة لـ “شرعية مزدوجة”؛ فهي من جهة تستطيع توظيف شرعيتها الروحية والثقافية كدولة مسلمة لبناء جسور ثقة مع شعوب وقادة المنطقة بعيداً عن حواجز الارتياب التاريخية. ومن جهة أخرى، فإن بمقدورها استثمار شرعية الإنجاز والتراكم المعرفي كوسط نزيه لديه القدرة على تحويل الصراعات المسلحة إلى مسارات سياسية، مدعومة بدبلوماسية تأثير تجمع بين الروافع الاقتصادية والإعلامية.
إن ندائي في الدوحة كان مبنياً على رؤية مفادها أن منطقة الساحل ربما تجد في “نموذج الدوحة” المخرج المنشود من دوامة الأزمات، خاصة إذا ما تم التكامل بين الحنكة الدبلوماسية وأدوات الدعم التنموي كصندوق قطر للتنمية. إن انخراط قطر في هذا الملف قد لا يكون مجرد خيار ديبلوماسي، بل ضرورة استراتيجية واستثماراً في الاستقرار الإقليمي؛ فمن شأن تفعيل هذه الأدوات الأكاديمية والسياسية في أفريقيا جنوب الصحراء أن يفتح آفاقاً لبناء جسر آمن يعبر بالمنطقة من ضفة النزاعات المزمنة إلى فضاءات الاستقرار المستدام.



