Site icon رفي دكار

مقال: لا أستطيع التنفس !!

د . محمد المصطفى جي

يستفيق العالم في 25 مايو 2020م بخبر ينتشر كالنار في الهشيم في جميع وسائل الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي يُظهر مقتل أمريكي من أصول أفريقية إثر توقيفه من قبل أفراد من الشرطة الأمريكية بعد تلقيهم بلاغا بمحاولة المدعو “فلويد” استخدام ورقة عشرين دولار أمريكي في بعض المحلات، وصفت بأنها كانت مزورة.
ولو صدقوا أنها كانت مزورة هل تبرّر استعمال القوة المفرطة في حق رجل مسالم لا يقاوم معتقليه، كما يظهر في الفيديو المصور، وبهذه الطريقة الوحشية ؟.
وللأسف أنه ليس أول مرة تستخدم فيها أفراد من الشرطة الأمريكية القوة المفرطة لاعتقال بعض المواطنين السود، وقد تكررت هذه المواقف كثيرا في الولايات المتحدة، حيث لاقى العديد من الأمريكان ذوي الأصول الإفريقية حتفهم على أيدي أفراد الشرطة بدون متابعة أو حساب أو عدالة، وكأن الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية مواطنون في الدرجة الثانية.
ولكن هذه المرة لم تجر الرياح بما تشهيه السفن، فقد كان في مكان الحدث بعض المارة وقد سجل الحادثة على هاتفه الذكي من بدايته إلى نهايته، وقد انتشر الفيديو على نطاق واسع على منصات وسائل التواصل الاجتماعي، ويظهر فيه الضابط ” ديريك تشوفين ” وهو يضغط على عنق “فلويد” غير آبه ولا مكترث على توسلاته، وآهاته وأناته، وهو يردد لا أستطيع التنفس، لا أستطيع التنفس.
وقد لاقى التسجيل المصور لهذا الحادث إنكارا واسعا في العالم كله، وحرك كثيرا من المشاعر والعواطف بين الناس، وخرجت المظاهرات والاحتجاجات بطريقة عفوية في منطقة منيابلوس منددين بهذا الحادث الأليم، وكانت سلمية في البداية، ثم تطورت وتصاعدت لاحقا إلى أعمال شغب وتخريب وحرق للمحلات وسطو للمتاجر، واشتباك مع الشرطة لمطالبة العدالة في حق “فلوريد” وتوقيف الضابط الذي سبب في قتله ومحاسبته.
وقد استمرت المظاهرات ستة أيام في تحد لقرار حظر التجول، حتى وصلت إلى جميع الولايات والمدن الأمريكية بوتيرة سريعة، مما أدى إلى نشر الحرس الوطني وقوات الاحتياط العسكرية في خمس عشرة ولاية، في سابقة لم يشهدها الولايات المتحدة من قبل.
ولعل العالم يستخلص بعض الدروس من هذه الحادثة؛ لأن الشعوب لا تقبل الضيم والظلم والحيف، ولا تقبل أخذ حقوق الناس بداعي العنصرية والكراهية، وهذا ما حدث بالفعل في الولايات المتحدة الأمريكية حيث إن أكثر المتظاهرين ليسوا من السود، بل أكثرهم من البيض.
ومن الأسف جدا أن تتكرر هذه الحوادث في الولايات المتحدة الأمريكية تلك القوة العظمى شرطية العالم، التي تدّعي دائما بالحرية والمساواة بين البشر، وحقوق الإنسان.
وها هي الآن عاجزة عن صّد وإخماد هذه النيران التي تشتعل في جميع أنحاء البلاد، بسبب تصرف ضابط أخرق عنصري.
وعلى العالم أن يعرف أن زمن العبودية قد تولى، ولن يرجع أبدا، فليس هناك جنس أفضل من جنس آخر، ولا قوم أفضل من قوم آخرين، فكلنا بشر وكلنا من آدم وآدم من تراب، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، ولا لأسود على أبيض.
والسود لهم مكانة كبيرة ومنزلة علية في جميع أنحاء العالم، ففيهم العلماء، والمفكرون، والتنويريون، ولهم في كل فنّ أبطال ورواد، ولا يسع في هذا المقال ذكر بعض النجوم السود في العالم، ويكفي هذا أن يعطى لهم الاحترام والتقدير، ويعرفوا أنهم أمة لهم حضارة وثقافة مثل باقي الأمم.
وفي الختام نحسب أن هذه التجربة الأمريكية لن تتكرر، وقد فهموا الدرس فهما صحيحا، إن كان فيهم عقلاء؛ وعليهم أن يحاسبوا الجناة، وأن تجري العدالة مجراها الصحيحة، وأن لا يكون هناك تفرقة وتمييز بين أبيض وأسود في المجتمع الأمريكي؛ لأن هذه التصرفات العنصرية قد تسبب حربا أهليّة ومقاومة شعبية لا تحمد عقباها، ولا يعرف مداها.

Exit mobile version