Site icon رفي دكار

اللائكيةُ … آلية انتشار كورونا!

بقلم: محمدو بمب درامي – دار الحديث الحسنية / الرباط

لما دخل وباء كورونا في أفريقيا جنوبي الصحراء، كان السنغال يسجل يوم 19 مارس 2020، 33 حالة. وهي بذلك كانت تحتل الرتبة الأولى في قائمة دول أفريقيا جنوبي الصحراء المصابة بداء كورونا فيروس.
أمام هذه الحالة، أعلن رئيس الدولة عن مجموعة من التدابير الوقائية التي اتخذتها الحكومة، من بينها النهي عن كل أنواع التجمعات، بجميع أشكالها، داخل التراب الوطني. وقد طالب رئيس الدولة، أثناء هذا التصريح، من الزعماء الدينيين خاصة أن يساعدوا على احترام هذه التدابير. من أجل ذلك قام بعض الزعماء الصوفية بإلغاء أو تأجيل عدد من المواسم الدينية التي كانت مبرمجة خلال شهر مارس. وكان الغموض واللبس يعلو شأن المساجد والجوامع: هل يشملها القرار الحكومي أم لا؟
والحكومة لم تكن واضحة في مرادها: إذ القرار وقف عند حد منع التجمعات، دون التنصيص على التجمعات الدينية التي هي تصطبغ بصبغة خاصة، لكونها من الشعائر الدينية التي لا يمكن تعليقها في حياة المؤمن إلا للضرورة القصوى.
كان الأمر موضع نقاش عمومي لدى جماعة المسلمين في السنغال. وقد تجسد هذا النقاش من خلال آراء جمعيات ورابطات الأئمة والدعاة، وأبرزها:
الجمعية الوطنية للأئمة والعلماء (برئاسة الأستاذ مصطفى غي)
رابطة أئمة ودعاة السنغال (برئاسة الأستاذ دام انجاي)
حيث رأت الأولى، انسجاما مع القرار الحكومي، أن تغلق جميع أبواب المساجد التي يؤم فيها أعضاؤها. ونشرت بذلك بيانا موقعا على يد رئيسها الأستاذ مصطفى غي.
ورأت الثانية تعليق أداء صلوات الجمعة بالمساجد دون الصلوات الخمس، وبذلك تبقى أبواب المساجد مفتوحة لكل راغب في أداء الصلوات الخمس بالمسجد.
أمام مثيلات هذا الواقع، الحل الطبيعي هو أن تتدخل سلطات الدول لحسم الأمر وبيان مرادهم، وفقا للمبدإ القرآني (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ” [النساء: 83])
كان رد فعل الحكومة، أمام هذه الآراء المتناقضة بشأن المساجد أن يتدخل والي مدينة دكار [Le Gouverneur] بقرار حاسم عشية يوم الخميس 19 مارس 2020 ليأمر بإغلاق كل المساجد بمدينة دكار ابتداء من يوم الجمعة 20 مارس إلى قرار لاحق. ويتعين التذكير أن هذا القرار جاء في وقت متأخر من مساء يوم الخميس، مما يثير أسئلة عدة من بينها:
لماذا الحكومة لم تصرح في أول وهلة عن شمولية القرار للجوامع أو عدمها؟ هل كان الأمر ترددا من جهة الحكومة، بسبب التخوف أو تجنبا لإثارة الحزازة في الوعي الديني الجماعي؟ أم كانت تقصد منع إقامة الجماعات في المساجد دون القدرة على التصريح بها، حتى إذا أثير الشك، وتيقن أن مرادها ليس واضحا من خلال القرار بداهة دفعوا الولاة بالمدن إلى الإعلان عن إغلاق المساجد؟
لم تسعفنا المعطيات لتفسير الأمر على وجه الدقة، لكن قرار إغلاق المساجد لم يتلق امتثالا مطلقا من جهة الشعب. بل الكثير قابل هذا القرار بالرفض، وذهب البعض إلى تحدي الحكومة بعدم إغلاق المسجد، بل أقام بعضهم الجمعة. في حين أن آخرين، سجلوا فيديهوهات أو صوتيات ينكرون على الحكومة هذا القرار، بدعوى أن الوضع لم يصل إلى درجة إغلاق المساجد، أو بدعوى أن المساجد هي المأوى الأخير للتضرع إلى المولى – سبحانه – ليرفع البلاء والمحنة. تعددت طرق التعبير، والرفض واحد. مما يثير عدة أسئلة ويكشف عن أمور. من بين الأسئلة:
لماذا، أمام قرار الحكومة وأمام صعوبة الوضع وانتشار الفيروس، لم يستسغ جماعة المسلمين وبعض الأئمة والدعاة أن تتدخل الحكومة في كيفية إدارتهم الخاصة للشأن الديني؟
ربما الأمر يعود في جانب منه إلى القصور المعرفي أو إلى عدم تصور بعض رجال الدين حجم الخطورة، وعدم إدراكهم للواقع بجميع ملابساته وتضاريسه.
وقد يكون الأمر راجعا إلى تصور جماعي يسيطر على المجتمع السنغالي في علاقة الدولة بالدين. هذا التصور الجماعي يتجه نحو اعتبار الدين أمر الأفراد والجماعات، وأن المعنيين بالدين لا ينتظرون من الدولة الكيف ولا الأين ولا المتى لإدارة شؤونهم الدينية فرادى أو جماعة. هذا التصور الذي بدأ من جهة الدولة التي اختارت، وقت الاستقلال، اللائكية الفرنسية نظاما للتعامل مع الدين، سرى [هذا التصور] إلى نفوس الشعب السنغالي فأصبح قناعة متحكمة في التدين السنغالي.
هذا التصور الجماعي قد يجد أصوله من الدستور السنغالي الذي ينص في الفقرة الثانية من المادة 24:
« Les institutions et les communautés religieuses ont le droit de se développer sans entrave. Elles sont dégagées de la tutelle de l’État. Elles règlent et administrent leurs affaires d’une manière autonome. »
ترجمة تقريبية: “للمؤسسات والفئات الدينية الحق في تطوير الذات دون أية إعاقة. وهي خارج وصاية الدولة. تنظم شؤونها الداخلية وتدير أمورَها باستقلال عن الدولة”.
وأمام هذا الواقع الدستوري، كأن لسان حال الشعب يقول: كيف يلام الشعب على عدم امتثاله لتعليمات الدولة؟ والدولة هي التي كانت أعلنت منذ النشأة الأولى أن تدبير شؤون الدين يرجع إلى الفئات الدينية، وأن الدولة لن تكون معنية بأي شيء من ذلك!
يبدو أن الدولة بدأت تحس بخطورة الشأن الديني، وبسلطة الدين على المجال العام، وبِخَطَئِيَّة النص الذي جاء في الدستور قائلا: إن الفئات الدينية: ” خارج وصاية الدولة. [وأنها] تنظم شؤونها الداخلية وتدير أمورَها باستقلال عن الدولة “.
فكأن جماعة المسلمين رأت، أمام تدخل الدولة في شؤون الدين، أن الدولة تتناقض مع نفسها، وتخالف مقتضى الدستور.
هذا الحدث يكشف عن اختلال في النظام … فإذا أرادات الدولة أن تسترجع سيطرتها على جميع شؤون البلاد، بما فيها الدين، فليراجع مبدأها اللائكي!
أمام هذا الواقع الدستوري، وأمام إكراهات الوباء، يُخشى أن تتحول اللائكية إلى آلية انتشار كورونا.

Exit mobile version